مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - ٧٤ سورة المدثر
ثم يضيف تعالى: «وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا».
وهذا الإختبار من وجهين:
الأوّل: لأنّهم كانوا يستهزئون بالعدد تسعة عشر، ويتساءلون عن سبب اختيار هذا العدد، في حين لو وضع عدد آخر لكانوا قد سألوا السؤال نفسه.
والوجه الثاني: أنّهم كانوا يستقلون هذا العدد ويسخرون من ذلك بقولهم: لكل واحد منهم عشرة منّا، لتكسر شوكتهم.
في حين أنّ ملائكة اللَّه وصفوا في القرآن بأنّ نفراً منهم يؤمرون بإهلاك قوم لوط عليه السلام ويقلبون عليهم مدينتهم.
ثم يضيف تعالى أيضاً: «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ».
وسكوت هؤلاء اليهود وعدم اعتراضهم على هذا الجواب يدلّ على أنّه موافق لما هو مذكور في كتبهم، وهذا مدعاة لإزدياد يقينهم بنبوّة النبي صلى الله عليه و آله، وصار قبولهم هذا سبباً في تمسك المؤمنين بإيمانهم وعقائدهم. لذا تضيف الآية في الفقرة الاخرى: «وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَانًا».
ثم تعود مباشرة بعد ذكر هذه الآية إلى التأكيد على تلك الأهداف الثلاثة، إذ يعتمد مجدداً على إيمان أهل الكتاب، ثم المؤمنين، ثم على اختبار الكفار والمشركين، فيقول: «وَلَا يَرْتَابُ الَّذِينَ أُتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهذَا مَثَلًا».
عبارة: «الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ» اطلقت على جميع الكفار والمعاندين والمحاربين لآيات الحق.
ثم يضيف حول كيفية استفادة المؤمنين والكفار والذين في قلوبهم مرض من كلام اللَّه تعالى؛ فيقول تعالى: «كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ».
إنّ الجمل السابقة تشير بوضوح إلى أنّ المشيئة والإرادة الإلهية لهداية البعض واضلال البعض الأخر ليس اعتباطاً، فإنّ المعاندين والذين في قلوبهم مرض لا يستحقون إلّا الضلال، والمؤمنون والمسلّمون لأمر اللَّه هم المستحقون للهدى.
ويقول في نهاية الآية: «وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ».
فالحديث عن التسعة عشر من خزنة النار، ليس لتحديد ملائكة اللَّه تعالى، بل إنّهم