مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - ٥٤ سورة القمر
والحادثة الثانية التي تتحدث الآية الكريمة عنها هي معجزة إنشقاق القمر العظيمة التي تدلّل على قدرة الباريء عزّ وجل المطلقة، وكذلك تدلّ- أيضاً- على صدق دعوة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله. قال تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ».
وجدير بالذكر أنّ سورة النجم التي أنهت آياتها المباركة بالحديث عن يوم القيامة «أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ» تستقبل آيات سورة القمر بهذا المعنى أيضاً، مما يؤكّد قرب وقوع اليوم الموعود رغم أنّه عندما يقاس بالمقياس الدنيوي فقد يستغرق آلاف السنين ويتوضّح هذا المفهوم، حينما نتصور مجموع عمر عالمنا هذا من جهة، ومن جهة اخرى عندما نقارن جميع عمر الدنيا في مقابل عمر الآخرة فإنّها لا تكون سوى لحظة واحدة.
إنّ إقتران ذكر هاتين الحادثتين في الآية الكريمة: «إنشقاق القمر واقتراب الساعة» دليل على قرب وقوع يوم القيامة، حيث إنّ ظهور الرسول الأكرم- وهو آخر الأنبياء- قرينة على قرب وقوع اليوم المشهود.
ومن جهة اخرى، فإنّ إنشقاق القمر دليل على إمكانية إضطراب النظام الكوني، ونموذج مصغّر للحوادث العظيمة التي تسبق وقوع يوم القيامة في هذا العالم، حيث إندثار الكواكب والنجوم والأرض يعني حدوث عالم جديد، استناداً إلى الروايات المشهورة التي ادّعى البعض تواترها.
في تفسير مجمع البيان: قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقالوا: إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين. فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«إن فعلت تؤمنون»؟
قالوا: نعم.
وكانت ليلة بدر فسأل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فرقتين ورسول اللَّه ينادي:
«يا فلان! يا فلان! اشهدوا».
يقول سبحانه: «وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ».
والمراد من قوله تعالى
«مستمر»
أنّهم شاهدوا من الرسول الكريم صلى الله عليه و آله معجزات عديدة، وشقّ القمر هو استمرار لهذه المعاجز، وأنّهم كانوا يبرّرون إعراضهم عن الإيمان وعدم الاستسلام لدعوة الحق وذلك بقولهم: إنّ هذه المعاجز كانت «سحر مستمر».
أمّا قوله تعالى: «وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ». فإنّه يشير إلى سبب مخالفتهم وعنادهم وسوء العاقبة التي تنتظرهم نتيجة لهذا الإصرار.
إنّ مصدر خلاف هؤلاء وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه و آله أو تكذيب معاجزه ودلائله، وكذلك تكذيب يوم القيامة، هو اتّباع هوى النفس.