مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - ٥٩ سورة الحشر
وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ». وهكذا فإنّ هؤلاء المنافقين وعدوا طائفة اليهود بامور ثلاثة، وجميعها كانت كاذبة.
ولهذا السبب يقول القرآن الكريم بصراحة: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ».
أجل، لقد كان المنافقون كاذبين دائماً، والكاذبون منافقين غالباً.
ثم ... للإيضاح والتأكيد الأكثر حول كذب المنافقين يضيف سبحانه:
«لَئِنْ أُخْرِجُوا لَايَخْرُجُونَ مَعَهُمْ». «وَلَئِن قُوتِلُوا لَايَنصُرُونَهُمْ». «وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ». «ثُمَّ لَايُنصَرُونَ».
والآية اللاحقة
تتحدث عن سبب هذا الإندحار، حيث يقول سبحانه: «لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ».
ولأنّهم لا يخافون اللَّه، فإنّهم يخافون كل شيء خصوصاً إذا كان لهم أعداء مؤمنون مثلكم: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّايَفْقَهُونَ».
ثم يستعرض دليلًا واقعياً واضحاً يعبّر عن حالة الخوف والاضطراب حيث يقول سبحانه: «لَايُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ».
«قرى»: جمع قرية، أعمّ من المزروعة وغير المزروعة، وتأتي أحياناً بمعنى الناس المجتمعين في مكان واحد.
«محصّنة»: من مادة «حصن» بمعنى مسوّرة، وبناءً على هذا فإنّ (القرى المحصّنة) تعني القرى التي تكون في أمان بوسيلة أبراجها وخنادقها والمواضع التي تعيق تقدّم العدو فيها.
نعم، بما أنّهم خرجوا من حصن الإيمان والتوكل على اللَّه، فإنّهم بغير الإلتجاء والإتّكاء على الجدران والقلاع المحكمة لا يتجرّؤون على مواجهة المؤمنين.
ثم يوضّح أنّ هذا ليس ناتجاً عن جهل بمعرفة فنون الحرب، أو قلة في عددهم وعدّتهم، أو عجز في رجالهم، بل إنّ «بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ».
ولهذا السبب- واستمراراً لما ورد في نفس الآية- نستعرض سبباً آخر من أسباب إندحار المنافقين، حيث يقول سبحانه: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ».