مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٦ - ٥٩ سورة الحشر
السمات الأساسية للأنصار والمهاجرين والتابعين: هذه الآيات- التي هي إستمرار للآيات السابقة- تتحدث حول طبيعة مصارف الفيء الستّة، التي تشمل الأموال والغنائم التي حصل عليها المسلمون بغير حرب، وقد أوضحت الآية المعني باليتامى والمساكين وأبناء السبيل، مع التأكيد على المقصود من أبناء السبيل بلحاظ أنّهم يشكّلون أكبر رقم من عدد المسلمين المهاجرين في ذلك الوقت، حيث تركوا أموالهم ووطنهم نتيجة الهجرة، وكانوا فقراء بعد أن هجروا الدنيا من أجل دينهم. يقول تعالى: «لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ».
هنا بيّنت الآية ثلاثة أوصاف مهمة وأساسية للمهاجرين الأوائل، تتلخص ب:
«الإخلاص»
و
«الجهاد»
و
«الصدق».
وفي
الآية اللاحقة
يستعرض سبحانه ذكر مورد آخر من موارد صرف هذه الأموال، ومن بين ما يستعرضه في الآية الكريمة أيضاً وصف رائع ومعبّر جدّاً عن طائفة الأنصار، ويكمل البحث الذي جاء في الآية السابقة حول المهاجرين، فيقول سبحانه: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَ الْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ».
«تبؤوا»: من مادة «بواء» وهي في الأصل بمعنى تساوي أجزاء المكان. وبعبارة اخرى يقال: (بواء) لترتيب وتسوية مكان (ما)، هذا التعبير كناية لطيفة لهذا المعنى، وهو أنّ طائفة الأنصار- أهل المدينة- قد هيّؤوا الأرضية المناسبة للهجرة.
والتعبير «تَبَوَّءُو» يوضّح لنا أنّ الأنصار لم يهيّؤوا بيوتهم لاستقبال المهاجرين فحسب، بل إنّهم فتحوا قلوبهم ونفوسهم وأجواء مجتمعهم قدر المستطاع للتكيّف في التعامل مع وضع الهجرة المرتقب.
وجملة «مِن قَبْلِهِمْ» يوضّح لنا أنّ كل تلك الامور كانت قبل هجرة مسلمي مكة، وهذا أمر مهمّ.
ثم يتطرق سبحانه إلى بيان ثلاث صفات اخرى توضّح روحية الأنصار بصورة عامة، حيث يقول تعالى: «يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ».
فلا فرق بين المسلمين في وجهة نظرهم والمهمّ لديهم هو مسألة الإيمان والهجرة وهذا الحبّ كان يعتبر خصوصية مستمرّة لهم.