مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٥ - ٥٨ سورة المجادلة
كان الحديث عن المنافقين وأعداء اللَّه وبيان بعض صفاتهم وخصائصهم في الآيات السابقة، واستمراراً لنفس البحث- في هذه الآيات التي هي آخر آيات سورة المجادلة- تطرح خصوصيات اخرى لهم، ويتّضح المصير الحتمي لهم حيث الموت والإندحار. يقول تعالى في البداية: «إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِى الْأَذَلّينَ» [١]. أي أذلّ الخلائق.
والآية اللاحقة
دليل على هذا المعنى حيث يقول سبحانه: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ».
وبنفس القدر الذي يكون فيه اللَّه قويّاً عزيزاً فإنّ أعداءه يكونون ضعفاء أذلّاء، وهذا بنفسه بمثابة الدليل على ما ورد في الآية السابقة من وصف الأعداء بأنّهم «فِى الْأَذَلّينَ».
ولقد اتّضح على مرّ العصور هذا الإنتصار للمرسلين الإلهيين في أوجه مختلفة، سواء في أنواع العذاب الذي أصاب أعداءهم وصوره المختلفة كطوفان نوح وصاعقة عاد وثمود والزلازل المدمّرة لقوم لوط وما إلى ذلك، وكذلك في الإنتصارات في الحروب المختلفة كغزوات بدر وحنين وفتح مكة، وسائر غزوات رسول الأكرم صلى الله عليه و آله.
وأهمّ من ذلك كلّه إنتصارهم الفكري والمنطقي على أفكار الشيطان وأعداء الحق والعدالة.
آخر آية
مورد البحث- والتي هي آخر آية من سورة المجادلة- تعدّ من أقوى الآيات القرآنية التي تحذّر المؤمنين من إمكانية الجمع بين حبّ اللَّه وحبّ أعدائه، إذ لابدّ من اختيار طريق واحد لا غير، وإذا ما كانوا حقّاً مؤمنين صادقين فعليهم اجتناب حبّ أعداء اللَّه.
يقول تعالى: «لَّاتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ».
إنّ حبّ الآباء والأبناء والاخوان والعشيرة شيء ممدوح، ودليل على عمق العواطف الإنسانية، إلّاأنّ هذه المحبة حينما تكون بعيدة عن حبّ اللَّه فإنّها ستفقد خاصيتها.
ثم يتطرّق القرآن الكريم إلى الجزاء العظيم لهذه المجموعة التي سخّرت قلوبها لعشق اللَّه تعالى، حيث يستعرض خمسة من أوصافهم والتي يمثّل بعضها مدداً وتوفيقاً من اللَّه تعالى، والآخر نتيجة العمل الخالص له سبحانه ... وفي بيان القسم الأوّل والثاني يقول تعالى:
«أُولئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مّنْهُ».
[١] «يحادّون»: من مادة «محادّة» بمعنى الحرب المسلّح وغير المسلّح، أو بمعنى الممانعة.