الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣ - صخب السامري
جهل هذه الامّة، كلّ ذلك كان له أثر في ظهور هذه الحادثة و الانحراف الكبير عن التوحيد، لأنّ الحوادث الاجتماعية لا تقع عادة بدون مقدّمات، غاية ما هناك أنّ هذه المقدّمات تكون تارة واضحة و علنية، و أخرى مستورة و خفيّة.
على كلّ حال، فإنّ الشرك في أسوأ صورة قد أحاط ببني إسرائيل، و أخذ بأطرافهم، خاصة و أنّ كبار القوم كانوا مع موسى في الجبل، و كان زعيم الأمّة هارون وحيدا دون أن يكون له مساعدون أكفّاء مؤثّرون.
و أخيرا أخبر اللّه موسى في الميعاد بما جرى لقومه و السامري إذ تحكي الآية التالية ذلك فتقول: قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ.
غضب موسى عند سماعه هذه الكلمات غضبا التهب معه كلّ وجوده، و ربّما كان يقول لنفسه: لقد تحمّلت المصائب و المصاعب خلال هذه السنين الطويلة، و أرهقت نفسي و واجهت كلّ الأخطار في سبيل أن تركن هذه الامّة إلى التوحيد، فكيف ذهبت جهودي أدراج الرياح بمجرّد أن غبت عنها عدّة أيّام فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً.
و ما أن وقعت عينه على ذلك المنظر القبيح، منظر عبادة العجل قال أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً. و هذا الوعد الحسن إمّا أن يكون وعد بني إسرائيل بنزول التوراة و بيان الأحكام السماوية فيها، أو الوعد بالنجاة و الإنتصار على الفراعنة و وراثة حكومة الأرض، أو الوعد بالمغفرة و العفو للذين يتوبون و يؤمنون و يعملون الصالحات، أو أنّه كلّ هذه الأمور.
ثمّ أضاف: أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ و هو يشير إلى أنّه: هبوا أنّ مدّة رجوعي قد طالت من ثلاثين إلى أربعين يوما، فإنّ هذا الزمن ليس طويلا، ألا يجب عليكم أن تحفظوا أنفسكم في هذه المدّة القصيرة؟ و حتّى لو نأيت عنكم سنين طويلة فينبغي أن تلتزموا بالتعاليم الإلهيّة التي تعلمّتموها و تؤمنوا بالمعجزات التي