الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٣ - ٤- ما هو الهبوط؟
٣- الإسراف في المعصية
ممّا يلفت النظر أنّه قد ذكرت في الآيات- محلّ البحث- هذه العقوبات المؤلمة للأفراد الذين يسرفون و لا يؤمنون بآيات اللّه.
إنّ التعبير ب «الإسراف» هنا قد يكون إشارة إلى أنّهم قد استعملوا تلك النعم و العطايا الإلهيّة، كالعين و الاذن و العقل، في طرق الشّر، و ليس الإسراف إلّا أن يتلف الإنسان هذه النعم من غير هدف.
أو أن يكون إشارة إلى أنّ المذنبين قسمان: قسم لهم ذنوب محدودة، و في قلوبهم خوف اللّه، أي أنّهم لم يقطعوا ارتباطهم و صلتهم باللّه تماما، فإذا ما ظلموا- على سبيل الفرض- يتيما أو ضريرا فإنّهم لا يستبيحون ذلك العمل، بل يعدّون أنفسهم مقصّرين أمام اللّه. و لا شكّ أنّ مثل هذا الفرد عاص يستحقّ العقاب، إلّا أنّ بينه و بين من يقترف الذنوب بلا حساب- و لا يعتبر ذلك ذنبا، و لا يعترف بمعيار للذنب و عدمه، بل و يفتخر أحيانا بارتكابه المعاصي، أو يحتقر الذنب و يستصغره- فرقا شاسعا، لأنّ القسم الأوّل يمكن أن يتوبوا في النهاية و يجبروا ما صدر عنهم من ذنوب، أمّا أولئك الذين يسرفون في الذنوب فلا توبة لهم.
٤- ما هو الهبوط؟
«الهبوط» في اللغة بمعنى النّزول الإجباري، كسقوط الصخرة من مرتفع ما، و عند ما تستعمل في حقّ الإنسان فإنّها تعني الإبعاد و الإنزال عقابا له.
و بملاحظة أنّ أدم قد خلق للحياة على وجه الأرض، و كانت الجنّة أيضا بقعة خضراء و فيرة النعمة من هذا العالم، فإنّ هبوط و نزول آدم هنا يعني النّزول المقامي لا المكاني، أي إنّ اللّه سبحانه قد نزّل مقامه لتركه الأولى، و حرمه من كلّ نعم الجنّة تلك، و ابتلاه بمصائب هذه الدنيا و متاعبها.
و ممّا يستحقّ الالتفات أنّ المخاطب هنا قد ذكر بصيغة المثنّى (اهبطا) أي