الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١ - ٤- جبر البيئة خرافة
فمثلا نقرأ في شأن قوم لوط الذين لم يؤمنوا بنبيّهم أبدا: وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [١] و نقرأ في سورة الفرقان في الآية ٣١:
وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ.
٤- جبر البيئة خرافة
تبيّن قصّة السّحرة في الآيات المذكورة أنّ القول بأنّ البيئة تملي أو تفرض على صاحبها مساره في الحياة ليس سوى و هم فارغ، فإنّ الإنسان فاعل مختار، و صاحب إرادة حرّة، فإذا صمّم في أي وقت فإنّه يستطيع أن يغيّر مسيره من الباطل إلى الحقّ، حتّى لو كان كلّ الناس في تلك البيئة غارقين في الذنوب و الضلال، فالسّحرة الذين كانوا لسنين طويلة في ذلك المحيط الملوّث بالشرك، و كانوا يرتكبون بأنفسهم و يعملون الأعمال المتوغّلة في الشرك عند ما صمّموا على قبول الحقّ و الثبات عليه بعشق، لم يخافوا أي تهديد، و حقّقوا هدفهم، و على قول المفسّر الكبير العلّامة الطبرسي: (كانوا أوّل النهار كفّارا سحرة، و آخر النهار شهداء بررة) [٢].
و من هنا يتّضح- أيضا- مدى ضعف و عدم واقعيّة أساطير الماديين، و خاصة الماركسيين حول نشأة الدين و تكوّنه، فإنّهم اعتبروا أساس كلّ حركة هو العامل الاقتصادي، في حين أنّ الأمر هنا كان بالعكس تماما، لأنّ السّحرة قد حضروا حلبة الصراع نتيجة ضغط أجهزة فرعون من جانب، و الإغراءات الاقتصادية من جانب آخر، إلّا أنّ الإيمان باللّه قد محا كلّ هذه الأمور، فقد انهار المال و الجاه الذي وعدهم فرعون به عند أعتاب إيمانهم، و وضعوا أرواحهم العزيزة هديّة لهذا العشق!
[١]- الأعراف، ٨٤.
[٢]- مجمع البيان، ج ٤، ص ٤٦٤. ذيل الآية (١٢٦) من سورة الأعراف.