الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - ٣- من هو المجرم؟
٢- لن نؤثرك على البيّنات
ممّا يلفت النظر أنّ هؤلاء اختاروا أكثر التعابير منطقيّة إزاء فرعون و كلامه غير المنطقي، فقالوا أوّلا: إنّنا قد رأينا أدلّة واضحة على أحقيّة موسى و دعوته الإلهيّة، و سوف لا نكترث بأي شيء و لا نقدّمه على هذه الدلالات البيّنة، و أكّدوا هذا الأمر فيما بعد بجملة وَ الَّذِي فَطَرَنا و ربّما كان هذا التعبير بحدّ ذاته- مع ملاحظة كلمة (فطرنا)- إشارة إلى ما هم عليه من الفطرة التوحيديّة، فكأنّهم قالوا: إنّنا نشاهد نور التوحيد من أعماق وجودنا و أرواحنا، و كذلك بالدليل العقلي، و مع هذه الآيات البيّنات كيف نستطيع أن نترك هذا الصراط المستقيم، و نسير في طريقك المنحرف؟
و يلزم الالتفات إلى هذه النكتة أيضا، و هي أنّ جمعا من المفسّرين لم يعتبروا جملة وَ الَّذِي فَطَرَنا قسما، بل عدّوها عطفا على ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ و بناء على هذا سيصبح معنى الجملة: إنّنا سوف لن نؤثرك أبدا على هذه الأدلّة الجلية، و على اللّه الذي خلقنا.
غير أنّ التّفسير الأوّل يبدو أقرب للصحّة، لأنّ عطف هاتين الجملتين بعضهما على بعض غير مناسب. «فلاحظوا بدقّة»!
٣- من هو المجرم؟
بملاحظة الآيات الشريفة التي تقول: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ و التي يظهر منها خلود العذاب، يتبادر هذا السؤال: ترى هل لكلّ مجرم هذا المصير؟
إلّا أنّه بالالتفات إلى أنّ الآية التالية قد بيّنت النقطة المقابلة لذلك، و جاءت فيها كلمة «المؤمن» يتّضح أنّ المراد من المجرم هنا هو الكافر، إضافة إلى أنّه ورد في القرآن كثيرا استعمال هذه الكلمة بمعنى الكافر.