الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٦ - طرق التوعية الإلهيّة المختلفة
و لكن: وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
و اللّه تعالى يبتليهم لعلّهم يعون حين لا تجدي بهم رحمته سبحانه، لكنّ طائفة غالبة منهم لم يستيقظوا حتّى بالبلاء المذلّ وَ لَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ [١].
«التضرّع»- كما أسلفنا- مشتقّة من الضرع بمعنى الثدي، فالتضرّع يعني الحلب، ثمّ استعملت بمعنى التسليم المخالط بالتواضع و الخضوع.
و تعني هذه الآية أنّ المشركين لم يتخلّوا عن غرورهم و عنادهم و تكبّرهم، و لم يستسلموا للحقّ حتّى و هم يواجهون أشدّ النكبات عصفا بهم.
و إذا ما فسّر التضرّع في الرّوايات بأنّه رفع اليدين نحو السّماء للدعاء، فهو أحد مصاديق هذا المعنى الواسع.
فاللّه تعالى يواصل هذه الرحمة و النعمة و العقوبات، و المشركون يواصلون طغيانهم و عنادهم حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [٢].
الواقع، أنّ نوعين من العقاب الإلهي: أوّلهما «عقاب الابتلاء»، و ثانيهما «عقاب الاستيصال» و الاقتلاع من الجذور، و الهدف من العقاب الأوّل وضع الناس في صعوبات و آلام ليدركوا مدى ضعفهم و ليتركوا مركب الغرور.
أمّا هدف العقاب الثّاني الذي ينزل بالمعاندين المستكبرين فهو إزالتهم عن مجرى الحياة، و تطهيرها من عراقيلهم، لأنّه لم يبق لهم حقّ الحياة في نظام الحقّ،
[١]- «استكانوا» مشتقّة من السكون، بمعنى الصمت في حالة الخضوع و الخشوع، و بهذه الصورة ستكون من باب «افتعال» التي كانت في الأصل استكنوا. أشبعت فتحة الكاف و بدّلت إلى ألف. فأصبحت استكانوا. و قال البعض: إنّها مشتقّة من كون، و من باب «استفعال» أي طلب الإقامة في مكان بخضوع و خشوع. و على كلّ حال فإنّها تبيّن حالة العبد الخاضع لربّه، و قد اعتبرها البعض بمعنى الدعاء بسبب كونه أحد مصاديق الخضوع و التواضع. أمّا الاحتمال الثالث، فهي مشتقّة عن «الكين» على وزن «عين» و من باب الاستفعال، لأنّها تعني الخضوع أيضا. و جميع هذه المعاني متقاربة.
[٢]- «المبلس» كلمة مشتقّة من «الإبلاس». بمعنى الألم الشديد الناتج عن شدّة أثر الحادثة. و تدفع بالإنسان إلى الصمت و الحيرة و اليأس.