الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - موازين العدل في القيامة
و على قول تفسير الكشّاف فإنّ جملة وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ ... تتضمّن ثلاثة تعابير كلّها تشير إلى القلّة: التعبير بالمسّ، و التعبير بالنفحة، من ناحية اللغة، و من ناحية الوزن و الصيغة أيضا [١].
و الخلاصة: إنّ ما يريد أن يقوله القرآن الكريم هو: إنّ هؤلاء الذين عميت قلوبهم يسمعون كلام النّبي و منطق الوحي سنين طويلة، و لا يؤثّر فيهم أدنى تأثير، إلّا أنّهم عند ما تلهب ظهورهم سياط العذاب- و إن كانت خفيفة يسيرة- سيصرخون إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ألا ينبغي لهؤلاء أن ينتبهوا قبل أن تصيبهم سياط العذاب؟
و لو انتبهوا حينئذ، فما الفائدة؟ فإنّ هذه اليقظة الاضطرارية لا تنفعهم، و إذا ما هدأت فورة العذاب و اطمأنّوا فإنّهم سيعودون إلى ما كانوا عليه! أمّا الآية الأخيرة التي نبحثها فتشير إلى حساب القيامة الدقيق، و جزائها العادل، ليعلم الكافرون و الظالمون أنّ العذاب على فرض أنّه لم يعمّهم في هذه الدنيا، فإنّ عذاب الآخرة حتمي، و سيحاسبون على جميع أعمالهم بدقّة، فتقول:
وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ.
«القسط» يعني أحيانا عدم التبعيض، و أحيانا يأتي بمعنى العدالة بصورة مطلقة، و ما يناسب المقام هو المعنى الثّاني.
و ممّا يلفت النظر أنّ «القسط» هنا ذكر كصفة للموازين، و هذه الموازين دقيقة و منظّمة إلى الحدّ الذي تبدو و كأنّها عين العدالة [٢].
و لهذا تضيف مباشرة: فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً فلا ينقص من ثواب المحسنين شيء، و لا يضاف إلى عقاب المسيئين شيء.
إلّا أنّ نفي الظلم و الجور هذا لا يعني عدم الدقّة في الحساب، بل
[١]- المصدر السابق.
[٢]- مع أن «موازين» جمع، و «قسط» مفرد، إلا أن (القسط) مصدر، و المصدر لا يجمع، فليس هنا إشكال.