الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٧ - النّبي رحمة للعالمين
و كذلك إذا رأيتم أنّ العقوبة الإلهيّة لا تحيط بكم فورا، فلا تظنّوا أنّ اللّه سبحانه غير عالم بعملكم، فلا أعلم لعلّه إمتحان لكم: وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ ثمّ يأخذكم أشدّ مأخذ و يعاقبكم أشدّ عقاب! لقد أوضحت الآية في الواقع حكمتين لتأخير العذاب الإلهي:
الأولى: مسألة الامتحان و الاختبار، فإنّ اللّه سبحانه لا يعجّل في العذاب أبدا حتّى يمتحن الخلق بالقدر الكافي، و يتمّ الحجّة عليهم.
و الثّانية: إنّ هناك أفرادا قد تمّ اختبارهم و حقّت عليهم كلمة العذاب حتما، إلّا أنّ اللّه سبحانه يوسّع عليهم النعمة ليشدّد عليهم العذاب، فإذا ما غرقوا في النعمة تماما، و غاصوا في اللذائذ، أهوى عليهم بسوط العذاب ليكون أشدّ و آلم، و ليحسّوا جيدا بألم و عذاب المحرومين و المضطهدين.
و تتحدّث آخر آية هنا- و هي آخر آية من سورة الأنبياء- كالآية الأولى من هذه السورة عن غفلة الناس الجهّال، فتقول حكاية عن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في عبارة تشبه اللعن، و تعكس معاناته صلى اللّه عليه و آله و سلم من كلّ هذا الغرور و الغفلة، و تقول: إنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بعد مشاهدة كلّ هذا الإعراض قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ [١]. و في الجملة الثّانية يوجّه الخطاب إلى المخالفين و يقول: وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.
إنّه في الحقيقة ينبّه هؤلاء بكلمة (ربّنا) إلى هذه الحقيقة، و هي أنّنا جميعا مربوبون و مخلوقون، و هو ربّنا و خالقنا جميعا.
و التعبير ب «الرحمن»، و الذي يشير إلى الرحمة العامّة، يعيد إلى أسماع هؤلاء أنّ الرحمة الإلهية قد عمّت كلّ وجودنا، فلما ذا لا تفكّروا لحظة في خالق كلّ هذه النعمة و الرحمة؟
و تعبير الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ يحذّر هؤلاء بأن لا تظنّوا أنّا وحيدون أمام
[١]- لا شكّ أنّ حكم اللّه سبحانه بالحقّ دائما، و على هذا فإنّ ذكر كلمة (بالحقّ) هنا له صبغة التوضيح.