الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣ - نجاة بني إسرائيل و غرق الفراعنة
إسرائيل للتوجّه إلى الوطن الموعود (فلسطين)، إلّا أنّهم لمّا وصلوا إلى سواحل النيل علم الفراعنة بهم، فتعقّبهم فرعون في جيش عظيم، فرأى بنو إسرائيل أنفسهم محاصرين بين البحر و العدو، فمن جهة نهر النيل العظيم، و من جهة أخرى العدوّ القوي السّفاك الغاضب.
إلّا أنّ اللّه الذي كان يريد إنقاذ هذه الأمّة المظلومة المحرومة المؤمنة من قبضة الظالمين، و أن يهلك الظالمين في البحر، أمر موسى أن امض بقومك فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً طريقا متى ما مضيت فيه ف لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى.
الطريف هنا أنّ الطريق لم يفتح و حسب، بل كان طريقا يابسا صلبا بأمر اللّه، مع أنّ مياه النهر أو البحر إذا ما انحسرت جانبا فإنّ قيعانها تبقى عادة غير قابلة للعبر عليها.
يقول الراغب في مفرداته: «الدّرك» أقصى عمق البحر، و يقال للحبل الذي يوصل به حبل آخر ليدرك به الماء «درك»، و كذلك يقال للخسارة التي تصيب الإنسان «درك» و يقال «دركات النّار»- في مقابل درجات الجنّة أي حدودها و طبقاتها السفلى.
و لكن مع ملاحظة أنّ بني إسرائيل- و طبقا للآية (٦١) من سورة الشعراء- لمّا علموا بخبر مجيء جيش فرعون، قالوا لموسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، و هذا يعني أنّ المراد من الدرك في الآية هنا، أنّ جيش فرعون سوف لن يصل إليكم، و المراد من (لا تخشى) أنّ أي خطر لا يهدّدكم من ناحية البحر.
و بذلك فإنّ موسى و بني إسرائيل قد ساروا في تلك الطرق التي فتحت في أعماق البحر بعد انحسار المياه عنها. في هذه الأثناء وصل فرعون و جنوده إلى ساحل البحر فدهشوا لهذا المشهد المذهل المثير غير المتوقّع، و لذلك أعطى فرعون أمرا لجنوده باتّباعهم، و سار هو أيضا في نفس الطريق: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ