الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - علامات أخرى للّه في عالم الوجود
إلّا أنّ التّفسيرين الأوّل و الثّاني أيضا لا يخالفان المعنى الواسع لهذه الآية، لأنّ الرؤية تأتي أحيانا بمعنى العلم. صحيح أنّ هذا العلم و الوعي ليس للجميع، بل إنّ العلماء وحدهم الذين يستطيعون أن يكتسبوا العلوم حول ماضي الأرض و السّماء، و اتّصالهما ثمّ انفصالهما، إلّا أنّنا نعلم أنّ القرآن ليس كتابا مختصا بعصر و زمان معيّن، بل هو مرشد و دليل للبشر في كلّ القرون و الأعصار.
من هذا يظهر أنّ له محتوى عميقا يستفيد منه كلّ قوم و في كلّ زمان، و لهذا نعتقد أنّه لا مانع من أن تجتمع للآية التفاسير الثلاثة، فكلّ في محلّه كامل و صحيح و قد قلنا مرارا: إنّ استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى ليس جائزا فحسب، بل قد يكون أحيانا دليلا على كمال الفصاحة، و إنّ ما نقرؤه في الرّوايات من أنّ للقرآن بطونا مختلفة يمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى.
و أمّا فيما يتعلّق بإيجاد كلّ الكائنات الحيّة من الماء الذي أشير إليه في ذيل الآية، فهناك تفسيران مشهوران:
أحدهما: إنّ حياة كلّ الكائنات الحيّة- سواء كانت النباتات أم الحيوانات- ترتبط بالماء، هذا الماء الذي كان مبدؤه- المطر الذي نزل من السّماء.
و الآخر: إنّ الماء هنا إشارة إلى النطفة التي تتولّد منها الكائنات الحيّة عادة.
و ما يلفت النظر أنّ علماء عصرنا الحديث يعتقدون أنّ أوّل انبثاقة للحياة وجدت في أعمال البحار، و ذلك يرون أنّ بداية الحياة من الماء. و إذا كان القرآن يعتبر خلق الإنسان من التراب، فيجب أن لا ننسى أنّ المراد من التراب هو الطين المركّب من الماء و التراب.
و الجدير بالذكر أيضا أنّه طبقا لتحقيقات العلماء، فإنّ الماء يشكّل الجزء الأكبر من بدن الإنسان و كثير من الحيوانات، و هو في حدود ٧٠%! و ما يورده البعض من أنّ خلق الملائكة و الجنّ ليس من الماء، مع أنّها كائنات حيّة، فجوابه واضح، لأنّ المراد هو الموجودات الحيّة المحسوسة بالنسبة لنا.