الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣ - الشرك ينبع من الظنّ
و لمّا كان من الممكن أن يوجد هذا التّوهّم، و هو: ما حاجة اللّه إلى إيماننا و عبادتنا؟
فإنّ الآيات التي نبحثها تجيب أوّلا عن هذا التوهّم، و تقول: وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، وَ مَنْ عِنْدَهُ (أي الملائكة) لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ [١] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ.
و مع هذا الحال فأي حاجة لطاعتكم و عبادتكم؟ فكلّ هؤلاء الملائكة المقرّبين مشغولون بالتسبيح ليلا و نهارا، و هو تعالى لا يحتاج حتّى لعبادة هؤلاء، فإذا كنتم قد أمرتم بالإيمان و العمل الصالح و العبودية فإنّ كلّ ذلك سيعود بالنفع عليكم.
و هنا نقطة تلفت الانتباه أيضا، و هي أنّه في نظام العبيد و الموالي الظاهري، كلّما تقرّب العبد من مولاه يقلّ خضوعه أمامه، لأن يختصّ به أكثر، فيحتاجه المولى أكثر. أمّا في نظام عبوديّة الخلق و الخالق فالأمر على العكس، فكلّما اقتربت الملائكة و أولياء اللّه من اللّه سبحانه زادت عبوديتهم [٢].
و بعد أن نفت في الآيات السابقة عبثيّة و لا هدفيّة عالم الوجود، و أصبح من المسلّم أنّ لهذا العالم هدفا مقدّسا، فإنّ هذه الآيات تتطرّق إلى بحث مسألة وحدة المعبود و مدبّر هذا العالم، فتقول: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [٣].
و هذه الجملة في الحقيقة إشارة إلى أنّ المعبود يجب أن يكون خالقا، و خاصّة خلق الحياة، لأنّها أوضح مظاهر الخلق و مصاديقه. و هذا في الحقيقة يشبه ما نقرؤه
[١]- «يستحسرون» في الأصل من مادّة حسر، و في الأصل تعني رفع النقاب و الستار عن الشيء المغطّى، ثمّ استعملت بمعنى التعب و الضعف، فكأنّ كلّ قوى الإنسان تصرف في مثل هذه الحالة، و لا يبقى منها شيء مخفي في بدنه.
[٢]- الميزان، ذيل الآيات محلّ البحث.
[٣]- «ينشرون» من مادّة نشر، أي فكّ الشيء المعقّد الملفوف، و هو كناية عن الخلق و انتشار المخلوقات في أرجاء الأرض و السّماء. و يصرّ بعض المفسّرين على اعتبار هذه الجملة إشارة إلى المعاد و رجوع الأموات إلى الحياة من جديد، في حين أنّه بملاحظة الآيات التالية سيتّضح أنّ الكلام عن توحيد اللّه و أنّه المعبود الحقيقي، و ليس عن المعاد و الحياة بعد الموت.