الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩١ - القرآن يدعو الضمائر إلى التحكيم
أسلافهم و قلّدوهم تقليدا أعمى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ.
ثمّ إنّ هؤلاء ملكهم التعجّب و: قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [١].
إنّ ذلك لا يصدق! لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَ آباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ فكانت وعودا كاذبة، و إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ فإعادة الخلق أسطورة، و الحساب و الكتاب أساطير أخرى، و كذا الجنّة و النّار.
و لكون الكفّار و المشركين أشدّ خوفا من اليوم الآخر و ما فيه من هول الحساب و عدل الكتاب، تذرّعوا بالأوهام لتسويغ إعراضهم عن الحقّ و تمسّكهم بالباطل.
و لهذا سدّدت الآيات موضع البحث ضربة قويّة إلى هذا المنطق الواهي من ثلاث طرق: بتذكيرها الإنسان بمالكية اللّه لعالم الوجود المترامي الأطراف، و ربوبيته له، و سيادته عليه. و تستنتج- من جميع الأبحاث- قدرة اللّه و سهولة المعاد عليه سبحانه، و أنّ عدالته و حكمته تستلزمان أن يعقب هذا العالم عالم آخر و حياة أخرى.
و ممّا يلفت النظر أنّ القرآن يأخذ من المشركين اعترافا بكلّ مسألة، فيعيد كلامهم ليثبت إقرارهم.
يقول أوّلا: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ثمّ تضيف الآية أنّهم يؤمنون باللّه خالق الوجود وفق نداء الفطرة النابع من ذاتهم، و سيجيبونك و: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ فأجبهم: قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ كيف تتصوّرون استحالة إحياء الموتى بعد اعترافكم الصريح؟
ثمّ يأمر رسوله مرّة ثانية أن يسألهم: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
[١]- تقديم التراب على العظام إما لعودة التراب إلى الحياة الأولى هي أعجب من عودة العظام، و إما لأن الأجداد أصبحوا ترابا و الآباء عظاما نخرة، و إما لصيرورة لحم الإنسان ترابا قبل العظام، ثم تتحول العظام إلى تراب.