الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - خصمان متقابلان!
ثمّ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [١] أي يصبّ على رؤوسهم سائل حارق هو حميم النّار، و هذا الماء الحارق الفوّار ينفذ إلى داخل أبدانهم ليذيب باطنها و ظاهرها يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ [٢].
و ثالث نوع من العقاب هو وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [٣] أي أعدّت لهم أسواط من الحديد المحرق.
و الرابع: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي كلّما أرادوا الخروج من جهنّم و الخلاص من آلامها و همومها أعيدوا إليها، و قيل لهم ذوقوا عذاب الحريق.
و أوضحت الآيات التالية وضع المؤمنين الصالحين، مستخدمة أسلوب المقارنة، لتكشف بها عن وضع هاتين المجموعتين، و هنا تستعرض هذه الآيات خمسة أنواع من المكافئات للمؤمنين: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
فخلافا للمجموعة الأولى الذين يتقلّبون في نار جهنّم، نجد أنّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات يتمتّعون بنعيم رياض الجنّة على ضفاف الأنهر و هذه هي المكافأة الأولى، و أمّا لباسهم و زينتهم فتقول الآية: و يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [٤].
و هاتان مكافئتان يمنّ اللّه بهما كذلك على عباده العالمين في الجنّة، يهبهم أفخر الملابس التي حرموا منها في الدنيا، و يجمّلهم بزينة الأساور التي منعوا عنها في الحياة الأولى، لأنّها كانت تؤدّي إلى إصابتهم بالغرور و الغفلة، و تكون سببا لحرمان الآخرين و فقرهم. أمّا في الجنّة فينتهي هذا المنع و يباح للمؤمنين لباس
[١]- الحميم: الماء الخارق.
[٢]- «يصهر» مشتقّة من «صهر» على وزن «قهر» و تعني تذويب الشحم. أمّا «الصهر» على وزن «فكر» فتعني النسيب.
[٣]- «المقامع» جمع «مقمع» على وزن «منبر» و تعني السوط أو العمود الحديدي يضرب به المذنب عقابا له.
[٤]- «أساور» جمع «أسورة» على وزن «مشورة» و هي بدورها جمع لكلمة «سوار» على وزن «كتاب» و تعني المعضد.