الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥ - من ربّكما؟
في الدرجة الثّانية بعد تأمين الاحتياجات.
إنّ من الممكن أن يمتلك الإنسان أي شيء من أسباب الحياة، إلّا أنّه يجهل كيفيّة الاستفادة منها، و المهمّ أن يعرف طريقة استعمالها، و هذا هو الشيء الذي نراه في الموجودات المختلفة بوضوح، و كيف أنّ كلّا منها يستغلّ طاقته بصورة دقيقة في إدامة حياته، كيف يبني بيتا، و كيف يتكاثر، و كيف يربيّ أولاده و يخفيهم و يبعدهم عن متناول الأعداء، أو يعلمهم كيف يواجهون الأعداء؟
و البشر- أيضا- لديهم هذه الهداية التكوينيّة، إلّا أنّ الإنسان لمّا كان موجودا يمتلك عقلا و شعورا، فقد جعل اللّه سبحانه هدايته التكوينيّة مع هدايته التشريعيّة بواسطة الأنبياء متلازمة و متزامنة، بحيث إنّه إذا لم ينحرف عن ذلك الطريق، فإنّه سيصل حتما إلى مقصده. و بتعبير آخر فإنّ الإنسان نتيجة لامتلاكه العقل و الإرادة، فإنّ له واجبات و مسئوليات، و بعد ذلك مناهج تكامليّة ليس للحيوانات مثلها، و لذلك فإنّه إضافة إلى الهداية التكوينيّة محتاج إلى الهداية التشريعيّة.
و خلاصة القول: إنّ موسى عليه السّلام يريد أن يفهم فرعون أنّ عالم الوجود هذا غير منحصر فيك، و لا في أرض مصر، و لا يختص بالحاضر أو الماضي، فإنّ لهذا العالم ماضيا و مستقبلا لم أكن و لم تكن فيه، و تلاحظ مسألتان أساسيتان في هذا العالم:
تأمين الحاجات، ثمّ استغلال الطاقات و القوى في طريق رقي الموجودات، فإنّها تستطيع جيدا أن تدلّك على ربّنا، و تعرّفك به، و كلّما أمعنت النظر في هذا المجال فستحصل على دلالات و براهين كثيرة على عظمته و قدرته.
فلمّا سمع فرعون هذا الجواب الجامع الجميل، ألقى سؤالا آخر قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى. و هناك بحث بين المفسّرين في مراد فرعون من هذه الجملة، فقد أظهروا وجهات نظر مختلفة! ١- فقال بعضهم: إنّ موسى عليه السّلام لمّا ذكر في آخر جملة من كلامه شمول العذاب الإلهي للمكذّبين بالتوحيد، فإنّ فرعون سأل: إذن فلما ذا لم يبتل أولئك