الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧ - أوّل لقاء مع فرعون الجبّار
لا شكّ أنّ اللّه تعالى يعلم عاقبة عمله، إلّا أنّ التعبيرات المذكورة آنفا درس لموسى و هارون و كلّ المصلحين و المرشدين إلى طريق اللّه [١].
و مع هذه الحال، فقد كان موسى و هارون قلقين من أنّ هذا الرجل القوي المتغطرس المستكبر، الذي عمّ رعبه و خشونته كلّ مكان، قد يقدم على عمل قبل أن يبلّغ موسى عليه السّلام و هارون عليه السّلام الدعوة، و يهلكهما، لذلك قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى.
«يفرط» من مادّة فرط- على وزن شرط- أي السبق و العجلة، و لذلك يقال للشخص الذي يردّ محلّ الماء أوّلا: فارط، و نقرأ
في كلام الإمام علي عليه السّلام أمّا قبور الموتى بجبانة الكوفة: «أنتم لنا فرط سابق» [٢].
على كلّ حال، فإنّ موسى و هارون كانا مشفقين من شيئين: فإمّا أن يقسو فرعون و يستخدم القوّة قبل أن يسمع كلامهما، أو أنّه يقدم على هذا العمل بعد سماعه هذا الكلام مباشرة، و كلتا الحالين تهدّد مهمّتهما بالخطر.
إلّا أنّ اللّه سبحانه قد أجابهما بحزم: ف قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى و بناء على هذا، فمع وجود اللّه القادر معكما في كلّ مكان، اللّه الذّي يسمع كلّ شيء، و يرى كلّ شيء، و هو حاميكما و سندكما، فلا معنى للخوف و الرعب.
ثمّ يبيّن لهما بدقّة كيفية إلقاء دعوتهما في محضر فرعون في خمس جمل قصار قاطعة غنيّة المحتوى، ترتبط أوّلها بأصل المهمّة، و الثّانية ببيان محتوى المهمّة، و الثّالثة بذكر الدليل و السند، و الرّابعة بترغيب الذين يقبلونها، و أخيرا فإنّ الخامسة تكفّلت بتهديد المعارضين.
فتقول أوّلا: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ و الجميل هنا أنّهما بدل أن يقولا:
(ربّنا) فإنّهما يقولان (ربّك) ليثيروا عواطف فرعون و إحساساته تجاه هذه النقطة
[١]- لقد بحثنا في معنى (لعلّ) و بأي معنى وردت في القرآن بصورة مفصّلة في ذيل الآية (٨٤) من سورة النساء.
[٢]- نهج البلاغة، الكلمات القصار رقم ١٣٠.