الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - صخب السامري
إرادة، دليلا على جواز عبادة العجل، و صحّة تلك العبادة؟
و على فرض أنّه أجابهم عن أسئلتهم، فإنّه لا يعدو أن يكون كإنسان عاجز لا يملك نفع غيره و لا ضرّه، بل و حتّى نفسه، فهل يمكن أن يكون معبودا و هو على هذا الحال؟
أي عقل يسمح بأن يعبد الإنسان تمثالا لا روح له يظهر منه بين الحين و الآخر صوت غير مفهوم، و يعظمه و يخضع أمامه؟
و لا شكّ أنّ هارون، خليفة موسى و نبي اللّه الكبير، لم يرفع يده عن رسالته في هذا الصخب و الغوغاء، و أدّى واجبه في محاربة الانحراف و الفساد قدر ما يستطيع، كما يقول القرآن: وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ثمّ أضاف: وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ.
لقد كنتم عبيدا فحرّركم، و كنتم أسرى فأطلقكم، و كنتم ضالّين فهداكم، و كنتم متفرّقين مبعثرين فجمعكم و وحدّكم تحت راية رجل ربّاني، و كنتم جاهلين فألقى عليكم نور العلم و هداكم إلى صراط التوحيد المستقيم، فالآن فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي.
أنسيتم أنّ أخي موسى قد نصّبني خليفة له و فرض عليكم طاعتي؟ فلما ذا تنقضون الميثاق؟ و لماذا ترمون بأنفسكم في هاوية الفناء؟
إلّا أنّ بني إسرائيل تمسكوا بهذا العجل عنادا، و لم يؤثّر فيهم المنطق السليم القوي لهذا الرجل، و لا أدلّة هذا القائد الحريص، و أعلنوا مخالفتهم بصراحة:
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [١].
و الخلاصة: إنّهم ركبوا رؤوسهم و قالوا: الأمر هو هذا و لا شيء سواه، و يجب أن نعبد العجل حتّى يرجع موسى و نطلب منه الحكم و القضاء، فلعلّه يسجد معنا
[١]- (لن نبرح) من مادّة (برح) بمعنى الزوال، و إنّ ما نراه في أنّ معنى جملة (برح الخفاء) أي الظهور و الوضوح لأنّ زوال الخفاء ليس إلّا الظهور، و لمّا كانت (لن) تدلّ على النفي، فإنّ معنى جملة (لن نبرح) أننا سنستمر في هذا العمل.