الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤ - صخب السامري
رأيتموها: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [١] فقد عاهدتكم على أن تثبتوا على خطّ التوحيد و طريق طاعة اللّه الخالصة، و أن لا تنحرفوا عنه قيد أنملة، إلّا أنّكم نسيتم كلّ كلامي في غيابي، و كذلك تمردّتم على طاعة أمر أخي هارون و عصيتموه.
فلمّا رأى بنو إسرائيل أنّ موسى عليه السّلام قد عنّفهم بشدّة و لا مهم على فعلهم و تنبّهوا إلى قبح ما قاموا به من عمل، هبوا للاعتذار ف قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا [٢] فلم نكن في الواقع قد رغبنا و صمّمنا على عبادة العجل وَ لكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ.
و للمفسّرين آراء فيما فعله بنو إسرائيل، و ما فعله السامري، و ما هو معنى الآيات- محلّ البحث- على نحو الدقّة، و لا يبدو هناك فرق كبير في النتيجة بين هذه الاختلافات.
فذهب بعضهم: إن «قذفناها» تعني أنّنا ألقينا أدوات الزينة التي كنّا قد أخذناها من الفراعنة قبل الحركة من مصر في النّار، و كذلك ألقى السامري ما كان معه أيضا في النّار حتّى ذاب و صنع منه عجلا.
و قال آخرون: إنّ معنى الجملة أنّنا ألقينا أدوات الزينة بعيدا عنّا، فجمعها السامري و ألقاها في النّار ليصنع منها العجل.
و يحتمل أيضا أن تكون جملة فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُ إشارة إلى مجموع الخطّة التي نفذّها السامري.
[١]- من البديهي أن لا أحد يصمّم على أن يحلّ عليه غضب اللّه، بل المراد من العبارة أنّكم في وضع كأنّكم قد صمّمتم مثل هذا التصميم في حقّ أنفسكم.
[٢]- «ملك» و «ملك» كلاهما تعني تملّك الشيء، و كأنّ مراد بني إسرائيل أننا لم نتملّك هذا العمل، بل وقعنا تحت تأثيره حتّى اختطف قلوبنا و ديننا من أيدينا. و اعتبر بعض المفسّرين هذه الجملة مرتبطة بجماعة قليلة من بني إسرائيل لم تعبد العجل، و يقال إنّ ستمائة ألف شخص من هؤلاء أصبحوا من عبدة العجل، و بقي منهم إثنا عشر ألف فقط على التوحيد. لكن يبدو أنّ التّفسير الذي قلنا أعلاه هو الأصحّ.