الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٨ - طرق التوعية الإلهيّة المختلفة
النقد و الاستنتاج و الترتيب و التعميم و تحليل محصّلة حاسّتي البصر و السمع و سواهما، أ فلا يستحقّ الذين لا يشكرونه على هذه الأدوات الثلاث للمعرفة الذمّ و اللوم؟ ألا يكفي التدقيق في تفاصيلها دليلا على معرفة الخالق و عظيم إحسانه للعباد؟
و تقديم ذكر الاذن و العين على العقل في الآية المذكورة له ما يسوّغه. و لكن لماذا تقدّم السمع على البصر؟ يحتمل- كما يقول العلماء- أنّ أذن الوليد تعمل أوّلا، ثمّ عينه، فالعينان مغلقتان في عالم الرحم و ليست لديهما أي استعداد و قابلية على مشاهدة أمواج النور، و لذلك تبقيان هكذا بعد الولادة قليلا، ثمّ تتعودان النور تدريجيّا.
و ليست الأذنان هكذا، حتّى أنّ بعضهم يرى أنّها قادرة على السماع حتّى في الرحم [١]. فهي تسمع صوت دقّات قلب الامّ.
إنّ بيان المواهب الثلاث أعلاه يشكّل دافعا لمعرفة واهب هذه النعم، و هو المنعم الوحيد حقّا (مثلما يرى علماء العقائد في بعث شكر المنعم أساسا لوجوب معرفة اللّه عقلا).
و تناولت الآية اللاحقة خلق اللّه سبحانه للإنسان من التراب، فتقول: وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ [٢].
و بما أنّه- جلّ اسمه- خلقكم من الأرض، لذلك ستعودون إليها مرّة ثانية، ثمّ يبعثكم: وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
و لو فكّرتم في خلقكم من تراب لا قيمة له، لدلّكم على خالق الوجود سبحانه، و عرّفكم على كريم لطفه بكم و إحسانه إليكم، و قادكم إلى الإيمان به
[١]- تحدّثنا عن أجهزة التعرّف الثلاثة في تفسير الآية (٧٨) من سورة النحل.
[٢]- «ذرأ» مشتقّة من الذرء (على وزن زرع). و هي في الأصل بمعنى الخلق و الإيجاد و الإظهار، إلّا أنّ كلمة (ذرو) و هي أيضا على وزن فعل بمعنى البعثرة. الآية الأولى من النوع الأوّل.