الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٢ - قلوب في الجهل مغمورة!
و هذه إشارة إلى أنّ الواجبات الشرعيّة هي في حدود طاقة الإنسان. و أنّها تسقط عنه إذا تجاوزت هذه الحدود، و كما يقول علماء أصول الفقه: إنّ هذه القاعدة حاكمة على جميع الواجبات الشرعيّة و مقدّمة عليها.
و قد يسأل: كيف يحاسب كلّ البشر على أعمالهم كلّها صغيرها و كبيرها؟
فتجيب الآية وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ فهناك صحيفة أعمال الإنسان المحفوظة لدى اللّه العلي القدير. و هي تنطق بالحقّ عمّا اقترفه الإنسان من ذنوب، فلا يمكنه إنكارها [١].
و ربّما كان القصد من الكتاب الذي لدى اللّه هو اللوح المحفوظ. و لفظ «لدينا» يؤكّد هذا التّفسير.
و الخلاصة أنّ الآية المذكورة آنفا تؤكّد حفظ الأعمال على أهلها من خير أو شرّ، فهي مسجّلة بدقّة، و الإيمان بهذه الحقيقة يشجّع الصالحين على القيام بأعمال الخير، و اجتناب الأعمال السيّئة.
و تعبير يَنْطِقُ بِالْحَقِ الذي وصف صحيفة أعمال البشر تشبه القول: إنّ الرسالة الفلانية ذات تعبير واضح، أي: لا يحتاج إلى شرح. و كأنّها ناطقة بذاتها، فهي تجلّي الحقيقة.
و عبارة وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ تبيّن أنّه لا ظلم و لا جور و لا غفلة يوم الحساب، فكلّ شيء في سجلّ معلوم.
و لكون هذه الحقائق مؤثّرة في الواعين من الناس فحسب، أضافت الآية التالية بأنّ هؤلاء الكفّار المعاندين غارقون في دوّامة الجهل و الغفلة لدرجة أنّهم غافلون عمّا ينتظرهم من الوعيد: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا [٢].
[١]- لقد شرحنا بإسهاب صحيفة أعمال الإنسان و حقيقتها في التّفسير الأمثل حين تفسير الآية (١٣) من سورة الإسراء و كذلك حين تفسير الآية (٤٩) من سورة الكهف.
[٢]- يمكن أن تكون كلمة «هذا» إشارة إلى صحيفة الأعمال و يوم الحساب، أو القرآن المجيد، أو أعمال الصالحين التي أشارت