الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٧ - بشرّ المخبتين
يقول الراغب الاصفهاني في مفرداته: «النسك» يعني العبادة، و الناسك هو العابد، و مناسك الحجّ تعني المواقف التي تؤدّى فيها هذه العبادة، أو إنّها عبارة عن الأعمال نفسها.
إلّا أنّ العلّامة الطبرسي يقول في «مجمع البيان» و أبو الفتوح الرازي في «روح الجنان»: «المنسك» (على وزن منصب) يمكن أن يعني- على وجه التخصيص- الأضحية، بين عبادات الحجّ الاخرى [١].
و لهذا خصّ المنسك- رغم مفهومه العام و شموله أنواع العبادات في مراسم الحجّ- هنا بتقديم الأضحية بدلالة لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ.
و على كلّ حال فإنّ مسألة الأضحية كانت دوما مثار سؤال، لامتزاج التعبّد بها بخرافات المشركين الذين يتقرّبون بها إلى أوثانهم على نهج خاصّ بهم.
ذبح حيوان باسم اللّه و لكسب رضاه يبيّن استعداد الإنسان للتضحية بنفسه في سبيل اللّه، و الاستفادة من لحم الأضحية و توزيعه على الفقراء أمر منطقي.
و لذا يذكر القرآن في نهاية هذه الآية فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ و بما أنّه إله واحد فَلَهُ أَسْلِمُوا و بشّر الذين يتواضعون لأحكامه الربّانية و بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [٢].
ثمّ يوضّح القرآن المجيد في الآية التالية صفات المخبتين (المتواضعين) و هي أربع: اثنتان منها ذات طابع معنوي، و اثنتان ذات طابع جسماني.
ول في الأوّل: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ لا يخافون في غضبه دون سبب و لا يشكّون في رحمته، بل إنّ خوفهم ناتج عن عظمة المسؤوليات التي بذمّتهم، و احتمال تقصيرهم في أدائها، و ليقينهم بجلال اللّه سبحانه يقفون بين يديه
[١]- و لهذا السبب يقال: نسكت الشاة، أي ذبحتها.
[٢]- «المخبتين» مشتقّة من «الإخبات» و أصلها «خبت» و هي الأرض المستوية الواسعة التي يمشي الإنسان فيها بكلّ سهولة.
كما جاءت بمعنى الاطمئنان و الخضوع، لأنّ السير في هذه الأرض يلازمه الاطمئنان، و لهذا تكون خاضعة مستسلمة للسائرين عليها.