الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - فإذا سأل سائل ما الهدف من إلقاء الأصنام في جهنّم؟
لا يسمعون صوت أي أحد أبدا، فكأنّهم لوحدهم في العذاب، و هذا بنفسه يعتبر عقوبة أشدّ، لأنّ الإنسان إذا رأى معه بعض المسجونين فستهون عليه المصيبة، و «البليّة إذا عمّت طابت»، كما في المثل.
ثمّ تبيّن الآية التالية حالات المؤمنين الحقيقيين من الرجال و النساء ليتبيّن وضع الفريقين من خلال المقارنة بينهما، فتقول أوّلا: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ و هو إشارة إلى أنّنا سنفي بكلّ الوعود التي وعدنا بها المؤمنين في هذه الدنيا، و أحدها إبعادهم عن نار جهنّم.
و بالرغم من أنّ ظاهر الجملة يشمل كلّ المؤمنين الحقيقيين، إلّا أنّ البعض احتمل أن تكون إشارة إلى من عبد من دون اللّه كالمسيح و مريم عليهما السّلام، الذين عبدوا دون إرادتهم، و لمّا كانت الآيات السابقة تقول: ستكونون أنتم و آلهتكم في جهنّم، و كان من الممكن أن يشمل هذا التعبير أمثال المسيح عليه السّلام، فإنّ القرآن يبيّن هذه الجملة كاستثناء بأنّ هذه الفئة سوف لا ترد الجحيم أبدا.
و ذكر بعض المفسّرين سببا لنزول هذه الآية، و هو يوحي بأنّ البعض قد سأل الرّسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم نفس هذا السؤال فنزلت الآية تجيبهم. و لكن مع ذلك فلا مانع من أن تكون الآية جوابا لهذا السؤال، و أن تكون حكما عامّا لكلّ المؤمنين الواقعيين.
و تذكر الآيتان الأخيرتان أربع نعم إلهيّة كبرى تغمر هذه الطائفة السعيدة.
فالأولى: إنّهم لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها و «الحسيس»- كما قال أرباب اللغة- الصوت المحسوس، و جاءت أيضا بمعنى الحركة، أو الصوت الناشئ من الحركة، و نار الجحيم المشتعلة دائما لها صوت خاصّ، و هذا الصوت مرعب من جهتين: من جهة أنّه صوت النّار، و من جهة أنّه صوت حركة النّار و التهامها. و لمّا كان المؤمنون المخلصون بعيدين عن جهنّم، فسوف لا يطرق سمعهم هذا الصوت المرعب مطلقا.