الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠ - أمّا الحكم الثّالث جواز رجوع العامّي إلى المجتهد و تقليده
فنقول: إنّ جواز الرّجوع و التّقليد منحصر في من عرف الأحكام و استخرجها من الأدلّة الشّرعية المتعارفة المقرّرة، و لا يشمل الواقف على الحكم من الطرق غير المألوفة و المعهودة، كالرّمل و الجفر و الاسطرلاب ( [١])، و ذلك لانصراف الأدلّة عن مثله.
نعم يبقى هنا بحث و هو: هل يجوز تقليد المجتهد القائل بالانسداد أو لا؟
نقول:
هذا هو الّذي عنونه صاحب الكفاية في المقام بعد تقسيم الاجتهاد إلى المطلق و المتجزّي، و كان عليه أن يبحث فيه قبل ذلك التقسيم، فإنّه (رحمه الله) سوف يتعرض لأحكام المتجزّي، و قد اختار- قدّه- عدم الجواز، و استدل عليه:
أوّلًا: أنّ المجتهد الانسداديّ إمّا أن يقول بحجيّة الظنّ من باب الحكومة أو من باب الكشف، فعلى الأوّل ليس هو عالماً بالأحكام الشرعية، لأنّ معناه هو أنّ الاحتياط المطلق في المظنونات و المشكوكات و الموهومات لمّا كان أمراً حرجيّاً أو مخلًا للنّظام، استقلّ العقل حينئذ بالتبعيض في الاحتياط بتقديم المظنونات على غيرها، فيكون العمل بالظنّ عملًا بالاحتياط، و هو ليس علماً بالحكم الشّرعيّ، فلا يشمله دليل التقليد الذي يركز على رجوع غير العالم إلى العالم، بل هو أشبه برجوع غير العالم إلى مثله.
و ثانياً: أنّ مقتضى مقدّمات الانسداد ليست إلّا حجيّة الظّن عليه لا على غيره ( [٢])، فلا بدّ في حجيّة اجتهاد مثله على غيره من التماس دليل آخر غير دليل التقليد، و غير دليل الانسداد الجاري في خصوص حقّ المجتهد.
[١] منجد اللّغة: ص ١٠- ١١ مادّة: أسط: الأسطرلاب: آلة رصد قديمة، لقياس مواقع الكواكب و ساعات الليل و النّهار و حلّ شتى القضايا الفلكيّة، و هو أنواع: مسطّح، أكري، خطي (يونانيّة).
[٢] هذا الدّليل مشترك بين القول بالحكومة و الكشف، و سيعود (قدس سره) إليه أيضاً عند الكلام في جواز الرّجوع إلى المجتهد القائل بالكشف.