الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٠ - المقام الأوّل ما يصحّ للعاميّ أن يعتمد عليه في أمر التقليد
و لأجل ذلك نرى أنّ أصحاب التخصّصات في العلوم و الفنون يرجعون في غير اختصاصهم إلى أهل الخبرة فيه، و لا شكّ أنّ المتخصّص في معرفة الأحكام و الفرائض هم الفقهاء الذين صرفوا أعمارهم في التعرّف و الاطّلاع عليها، و هم العلماء الأمناء على أحكام اللّه، العدول في مسيرة الحياة، لا يحيدون عن بيان الحقّ قدر شعرة، و هم المتخصّصون الواقفون على حقيقة الأمر، فعليه يلزم على الجاهل الرّجوع إليهم و التمسّك بعروتهم الوثقى.
فالرّجوع إلى علماء الدّين، و إناخة المطايا في ساحاتهم، ممّا أطبقت عليه عقلاء العالم منذ نزول الشرائع السماويّة من عصر نوح (عليه السلام) إلى زماننا هذا، فلم نجد أحداً يرجع فيما يمت إلى الدّين بصلة إلى غير أهله و كانت لعلماء الدّين مكانة خاصّة في قلوب النّاس، فإنّهم المعالجون لأمراض النّاس الرّوحيّة و الصّائنون لهم عن عذاب اللّه و غضبه و سخطه فالسّيرة بأصلها- أي رجوع الجاهل إلى العالم و أن العالم في أُمور الدّين هو المجتهد العارف بكتاب اللّه و سنّته- ليست أمراً خفيّاً على العامي.
و عليه فلا حاجة إلى ما ذكره المحقّق الخوئيّ من أنّ هذه السّيرة- رجوع الجاهل إلى العالم- و إن جاز أن لا يلتفت إليها العاميّ مفصّلًا إلّا أنّها مرتكزة في ذهنه بحيث يلتفت إليها و يعلم بها تفصيلًا بأدنى إشارة و تنبيه. و ربّما يتصوّر أنّه يصحّ للعاميّ أن يستند إلى دليل الانسداد لإثبات كون فتوى الفقيه حجّة و تقريبه: «أنّ كلّ واحد يعلم بثبوت أحكام إلزاميّة في حقّه، كما يعلم أنّه غير مفوّض في أفعاله بحيث له أن يفعل ما يشاء و يترك ما يريد، و هذان العلمان ينتجان استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهدة التّكاليف الواقعية، المنجّزة بعلمه، و طريق الخروج عنها منحصر في الاجتهاد و الاحتياط و التقليد. أمّا الاجتهاد فهو غير متيسّر على