الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٩ - المقام الأوّل ما يصحّ للعاميّ أن يعتمد عليه في أمر التقليد
فلا حاجة معه إلى الرّجوع إلى الغير لأنّ المفروض وقوفه على نفس الواقع، و القطع حجّة ذاتيّة.
أمّا الثاني، فعليه أن يتحرّى في ذلك المجال، و يقف على ما هو حجّة بينه و بين ربّه، حتى يكون معذوراً عنده، إذا خالف الواقع.
و بعبارة أُخرى: إنّ هذا الحكم اجتهاديّ لا تقليديّ، يدركه عقل العاميّ بعد التدبر و التفكّر، و لو كانت المسألة تقليدية لدار، إذ لو كانت كذلك، توقف التقليد فيها على مجوّز له، فلو كان المجوّز حكم العقل، لا غنى عن التقليد في نفس هذه المسألة أيضاً، و لو كان المجوّز الشرع، لا يصحّ له الاعتماد عليه إلّا بالتقليد، و هو يتوقف على مجوّز ثان، فإمّا يتسلسل أو يدور، فلا محيص لقطع التسلسل و دفع الدّور عن كون المسألة عقليّة مدركة للعاميّ بأدنى تأمّل.
فإن قلت: إنّ أقصى ما يحكم به عقله هو لزوم تحصيل الحجّة في مجال الحياة، و أمّا أنّ الحجّة هي قول الفقيه و فتوى المفتي، فهو ممّا لا يستقلّ به العقل، و بعبارة أُخرى: العقل يستقلّ بالكبرى أي لزوم تحصيل الحجّة، و أمّا أنّ قول المفتي و رأي المجتهد حجّة بينه و بين اللّه، فليس هذا من المستقلّات العقليّة، فلا بدّ في إثبات لزوم الرّجوع إليه من التماس دليل.
قلت: إنّ العقل يستقلّ في أنّ الحجّة للعاميّ هي فتوى الفقيه، بعد الوقوف على السيرة العقلائية السائدة في جميع الأعصار و هي لزوم رجوع الجاهل إلى العالم، و هذا أصل قام عليه صرح الحياة من أقدم العصور إلى يومنا هذا، و لولاه لانهارت الحياة و انقضّ عمودها، إذ من المستحيل أن يستقلّ كلّ فرد متحضّر بإنجاز جميع حاجاته من جميع النواحي، فلا محيص من تقسيم الحاجات الأوّليّة و الثانويّة حتّى يتحمّل كلّ جانب من جوانب الحياة عدّة من أفراد المجتمع لتحلّ العقدة،