مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٠ - في طرق استنباط العلّة
ويختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الذي تعتبر به، وبواسطة هذا الاختبار تُستبعد الاَوصاف التي لا يصحّ أن تكون علّة ويُستبقي ما يصحّ أن تكون علّة، وبهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصّل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة.
فمثلاً ورد النصّ بتحريم شرب الخمر ولم يدلّ نصّ على علّة الحكم، فالمجتهد يردّد العلّة بين كونه من العنب، أو كونه سائلاً، أو كونه ذا لون خاص، أو كونه مسكراً، ويستبعد كلّ واحدة من العلل إلاّ الاَخيرة فيحكم بأنّها علّة، ثمّ يقيس كلّ مسكر عليه.
ثمّ إنّ التقسيم إذا كان دائراً بين النفي و الاِثبات يفيد اليقين، كقولك: العدد إمّا زوج أو فرد، والحيوان إمّا ناطق أو غير ناطق. وأمّا إذا كان بشكل التقسيم والسبر أي ملاحظة كلّ وصف خاصّ وصلاحيّته للحكم، فما استحسنه الذوق الفقهي يجعله مناطاً للحكم، وما يستبعده يطرحه، فمثل هذا لا يكون دليلاً قطعياً بل ظنّياً وهذا شيء أطبق عليه مثبتو القياس.
قال الشيخ عبد الوهاب خلاّف: وخلاصة هذا المسلك أنّ المجتهد، عليه أن يبحث في الاَوصاف الموجودة في الاَصل، ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علّة منها، و يستبقي ما هو العلّة حسبَ رجحان ظنّه، وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء تحقيقُ شروط العلّة بحيث لا يستبقى إلاّ وصفاً منضبطاً متعدّياً مناسباً معتبراً بنوع من أنواع الاعتبار، وفي هذا تتفاوت عقول المجتهدين، لاَنّ منهم من يرى المناسب هذا الوصف، ومنهم من يرى المناسب وصفاً آخر.
فالحنفيّة رأوا المناسب في تعليل التحريم في الاَموال الربوية، القدر مع
اتّحاد الجنس، والشافعية رأوه الطعم مع اتّحاد الجنس، و المالكية رأوه القوت و
الادّخار مع اتّحاد الجنس.