مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢١ - أسئلة وأجوبة
الاَسرى، فقال أبوبكر: عشيرتك فأرسلهم، وقال عمر: اقتلهم، ففاداهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فأنزل اللّه معاتباً له ولصحابته بقوله: "ما كانَلنَبىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى..." .
رواه أهل السير، وأخرج مسلم وأحمد حديثاً في ذلك. [١]
التحليل يتوقف على توضيح مفاد الآيات، وهو انّ السنّة الجارية في الاَنبياء الماضين (عليهم السلام) هي انّهم إذا حاربوا أعداءهم، وظفروا بهم ينكلونهم بالقتل ليعتبر من وراءهم، فيكفّوا عن معاداة اللّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يثخنوا في الاَرض، ويستقر دينهم بين الناس، فإذا بلغوا تلك الغاية لم يكن مانع من الاَسر، ثمّ المن أو الفداء، كما قال تعالى في سورة أُخرى مخاطباً المسلمين عندما علا أمر الاِسلام وضرب بجرانه بالحجاز واليمن: "فَإِذا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْدُ وَ إِمّا فِداءً" . [٢]
فعلم من ذلك انّ مقتضى الجمع بين الآيتين هو ممنوعية أخذ الاَسرى قبل الاِثخان في الاَرض وجوازه، ثمّ المن، أو الفداء بعد الاِثخان.
إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نبحث في مفاد الآيات الثلاث، فنقول:
أوّلاً: انّ اللوم انصبَّ على أخذ الاَسرى لا على الفداء.
ثانياً: انّ اللوم لم يتوجّه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أبداً وإنّما توجّه إلى مَنْ أخذ الاَسرى.
والشاهد على الاَمر الاَوّل قوله: "ما كانَ لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن
في الاَرض" أي الاَمر الممنوع هوأخذ الاَسرى فقط لا الفداء والمن، وإلاّ لكان له
عطف الفداء والمن عليه، ولو كان الممنوع هو الفداء لما قال سبحانه في الآية
الثالثة: "فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم" ومن الواضح
[١] مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: ٩٩.
[٢] محمد: ٤.