مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٦ - النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والاجتهاد
أخذوا الاَحكام بتعليم الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو بإلهام من اللّه تعالى. [١]
المذهب الثاني: انّه يجوز لنبينا - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولغيره من الاَنبياء الاجتهاد وإليه ذهب الجمهور واحتجوا بالوجوه التالية:
الاَوّل: انّ اللّه سبحانه خاطب نبيه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما خاطب عباده، وضرب له الاَمثال وأمره بالتدبّر والاعتبار، وهو من أجلّ المتفكّرين في آيات اللّه وأعظم المعتبرين.
أقول: إنّ ما ضرب به من الاَمثال جلّها من باب «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» وهل يصحّ أن يقال انّه سبحانه أراد بقوله: "لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرين" [٢] مع أنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ممّن هداه اللّه "وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلّ" . [٣]
على أنّه سبحانه أمر بالتفكّر والتدبّر فيما يرجع إلى العوالم الغيبية والاَسرار المكنونة في الطبيعة وأنّى ذلك من التفكّر في الاَحكام الشرعية.
الثاني: انّ المراد من قوله: "وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْهُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى) هو القرآن، لاَنّهم قالوا إنّما يعلّمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده، لاَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان متعبّداً بالاجتهاد بالوحي لم يكن نطقاً عن الهوى، بل عن الوحي.
أقول: إنّقوله سبحانه: "وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى" وإن كان وارداً في مورد
القرآن، ولكنّه آب عن التخصيص بدلالة انّ ورود التخصيص عليه يستلزم
الاستهجان، فلو قيل النبي لا ينطق عن الهوى إلاّ في غير مورد القرآن لرأيت
التخصيص مستهجناً على أنّ الدليل ليس منحصراً بهذه الآية، وقد استعرضنا
[١] العلاّمة الحلّي: مبادىَ الاَُصول: ٥١.
[٢] الزمر: ٦٥.
[٣] الزمر: ٣٧.