تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٦٣ - باب ذكر اهتمام أبي بكر الصّدّيق بفتح الشّام وحرصه عليه ومعرفة إنفاذه الأمراء بالجنود الكثيفة إليه
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنا أبو علي بن المسلمة ، أنا أبو الحسن الحمّامي ، أنا أبو علي بن الصّوّاف ، نا أبو محمد القطان ، نا إسماعيل العطار ، حدثني إسحاق بن بشر ، أنا أبو إسحاق ، عن الزّهري ، حدثني ابن كعب عن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي ، قال : لما أراد أبو بكر غزو الروم دعا عليا وعمر وعثمان وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبا عبيدة بن الجرّاح ، ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم فدخلوا عليه. قال عبد الله بن أبي أوفى : وأنا فيهم فقال : إن الله عزوجل لا تحصى نعماؤه ولا يبلغ جزاءها الأعمال ، فله الحمد ، قد جمع الله كلمتكم وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام ونفا عنكم الشيطان ، فليس يطمع أن تشركوا به ولا تتخذوا إلها غيره. فالعرب اليوم بنو أمّ وأب ، وقد رأيت أني أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين ويجعل الله كلمته العليا مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الوافر لأنه من هلك منهم هلك شهيدا ، وما عند الله خير للأبرار ، ومن عاش عاش مدافعا عن الدين مستوجبا على الله ثواب المجاهدين ، وهذا رأيي الذي رأيت فأشار امرؤ علي برأيه. فقام عمر بن الخطاب فقال : الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلّا سبقتنا إليه (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) [١] والله ذو الفضل العظيم قد والله أردت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت. فما قضي أن يكون حتى ذكرته [قبلي][٢] فقد أصبت أصاب الله بك سبيل [٣] الرشاد ، سرّب إليهم الخيل في إثر الخيل ، وابعث الرجال بعد الرجال والجنود تتبعها الجنود فإن الله ناصر دينه ومعز الإسلام وأهله.
ثم أن عبد الرّحمن بن عوف قام فقال : يا خليفة رسول الله إنها الروم وبنو الأصفر حدّ حديد وركن شديد ، ما أرى أن تقحم عليهم إقحاما. لكن تبعث الخيل فتغير في قواصي أرضهم ثم ترجع إليك. فإذا فعلوا ذلك بهم مرارا أضروا بهم وغنموا من أداني أرضهم فقووا بذلك عن عدوهم ، ثم تبعث إلى أراضي أهل اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ، ثم تجمعهم جميعا إليك ثم إن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك ، وإن
[١] سورة المائدة ، الآية : ٥٤.
[٢] زيادة عن المطبوعة.
[٣] في خع : سبل الرشاد.