تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٩٣ - باب ما ورد عن الحكماء والعلماء في مدح دمشق بطيب الهواء وعذوبة الماء
استحكم له طعم الفراريج وبلغ نهاية الاستتمام إلى غايته في ذوقه نظر إلى الطبّاخ فقال : بأي شيء سمّنت هذه الفراريج؟ وبما طيّبتها؟ فقال الطباخ : هذه راعية دمشق لم تسمّن ولم تطيّب. فقال لي : ما طعم من طعام [١] للطير ولا ريح من الروائح العذبة إلّا وقد خيل لي أنه في هذه الفراريج. هذا والله أرخص لحما وأطيب طعما وريحا من مسمّن كشكر [٢] ثم قال : أوما علمت أن فراريج كسكر فيها ثقل كسكر ، وروائح آجامها ، وكأنها من طير الماء فيها الطعم ، فإن لم تعالج بالأبازير وتطيّب بالأفواه [٣] ، وتروّى بالزيت المغسول ، لم يمكن النظر إليه فضلا عن أكله [٤] ، وهي إذا عوينت بما وصفت وعولجت ففيها بقايا سنخها [٥] ولئن رجعت إلى العراق لا ذقت منها شيئا البتة.
قرأت بخط أبي الحسين [٦] الرازي ، حدثني أبو القاسم عبد الرحيم بن محمد بن أبي قربة الثقفي ، نا محمد بن هارون بن محمد بن بكّار بن بلال العاملي ، نا محمد بن أبي طيفور قال : قال ابن أبي دؤاد [٧] : قال أمير المؤمنين المعتصم بالله : ما شبهت ساكن دمشق إلّا بالصائم في شدة الكلف على الطعام فإنه جائع أبدا. قال : فقلت : يا أمير المؤمنين فنعمت النعمة هذه. قال : نعم خير بقاع الأرض إلّا أنه تورث الشدة.
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني وأبو الحسن علي بن أحمد بن منصور الغسّاني [٨] ، قالا : نا وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون ، أنا أبو بكر الخطيب ، أنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه ، نا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن زنجي الكاتب ـ إملاء ـ حدثني أبي ، نا عسل بن ذكوان قال :
[١] في المطبوعة ٢ / ١٦٨ من طعوم.
[٢] كذا بالأصل وخع ، والصواب «كسكر» كما في معجم البلدان وهي كورة واسعة قصبتها واسط بين الكوفة والبصرة.
[٣] الأفواه : التوابل ، جمع أفاويه (قاموس : فوه).
[٤] في المطبوعة : «النظر إليها فضلا عن أكلها».
[٥] السنخ : أي زنخ الدهن (انظر القاموس واللسان).
[٦] بالأصل وخع : «الحسن» خطأ.
[٧] بالأصل وخع : «داود» تحريف.
[٨] في خع : الغشابي.