تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٤٩ - باب ذكر تاريخ وقعة اليرموك ومن قتل بها من سوقة الرّوم والملوك
مستحفظي الكتاب ، وأنصار الهدى والحق والرحمة. إنّ رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالأمانيّ ، ولا يؤتي [١] الله تعالى المغفرة والرحمة الواسعة إلّا الصّادق المصدق. ألم تسمعوا لقول الله عزوجل : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) إلى آخر الآية [٢]. واستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم [٣] فرّارا عن عدوكم ، وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ، ولا عز بغيره ، يمشي في الصفوف ويذكرهم ، حتى إذا بلغ من ذلك ما أحب ورأى من الناس الذي سره لهم ، ثم حرّضهم وانصرف إلى موقفه ;.
قالوا : وسار في الناس عمرو بن العاص وهو أحد الأمراء كمسير أخيه معاذ بن جبل فجعل يحرّضهم ويقول : يا أيها المسلمون غضوا الأبصار ، واجثوا على الركب ، وأشرعوا الرماح. فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم ، حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا في وجوههم وثبة الأسد. فوالذي يرضى للصدق ويثبت عليه ، ويمقت الكذب ، ويجزي بالإحسان إحسانا ، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم فإنكم لو صدقتموهم الشدّ [٤] تطايروا تطاير أولاد الحجل. قالوا ثم يرجع فوقف في موقفه معهم أيضا.
قالوا ثم رجع أبو سفيان بن حرب ، وهو متطوع يومئذ ، إنما استأذن أمير المؤمنين عمر أن يخرج متطوعا مددا للمسلمين متطوعين ، فجعل الله في مخرجه بركة. فسار في صف المسلمين وهو يقول : يا معشر المسلمين أنتم العرب ، وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل [٥] نائين عن أمير المؤمنين وأمداد الله [٦] ، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده ، شديد عليكم حنقه ، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم ، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا يبلغ رضوان الله غدا إلّا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة ألا إنها سنة لازمة وإن الأرض وراءكم ، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة
[١] عن مختصر ابن منظور وبالأصل «يولي».
[٢] سورة المائدة ، الآية : ٩.
[٣] عن مختصر ابن منظور ١ / ٢١٥ وبالأصل «يراكم فراركم».
[٤] بالأصل وخع «السدّ» والمثبت عن مختصر ابن منظور.
[٥] بالأصل وخع : «الأصل تأثير من» والصواب عن مختصر ابن منظور.
[٦] في خع : وأمداد المسلمين.