تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٣١٢
ولله در من اتبع كلام ربه، واقتفى سنة نبيه، وإن قل علمه، قال القضاعي في اختصاره ل " المدارك ": قال في ترجمة سحنون: كان سحنون يقول: مثل العلم القليل في الرجل الصالح مثل العين العذبة في الأرض العذبة، يزرع عليها صاحبها ما ينتفع به، ومثل العلم الكثير في الرجل الطالح مثل العين الخرارة في السبخة تهر الليل والنهار، ولا ينتفع بها. انتهى.
وقيل: (يتلونه): يقرءونه حق قراءته، وهذا أيضا يتضمن الاتباع والامتثال، و (حق): مصدر، وهو بمعنى أفعل، والضمير في " به " عائد على " الكتاب "، وقيل:
يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، لان متبعي التوراة يجدونه فيها، فيؤمنون به، والضمير في (يكفر به) يحتمل من العود ما ذكر في الأول.
وقوله تعالى: (يا بني إسرائيل...) الآية: تقدم بيان نظيرها، ومعنى: (لا تنفعها شفاعة): أنه ليست ثم، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد، فيرد، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب، فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة.
* ت *: ولم ينبه - رحمه الله - على هذا في التي تقدمت أول السورة، و (ابتلى)
معناه: اختبر، وفي " مختصر الطبري ": (ابتلى)، أي: اختبر، والاختبار من الله عز وجل لعباده على علم منه سبحانه بباطن أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابق علمه
[١] هو الإمام سحنون، أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، القيرواني، الفقيه، الحافظ، العابد،
الورع، المتفق على فضله و إمامته، اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، أخذ العلم عن أئمة من أهل
المشرق والمغرب. وأخذ عنه من أئمة الرواة نحو سبعمائة، انتهت إليه الرياسة في العلم، و عليه المعول
في المشكلات، و إليه الرحلة، و مدونته عليها الاعتماد في المذهب المالكي. ولد رحمه الله سنة
١٦٠ ه، و توفي سنة ٢٤٠ ه و قبره ب " القيروان ".
ينظر: " الديباج " (٢ / ٣٠)، و " الشجرة الزكية " (ص ٦٩).
[٢] فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه نصب على المصدر، و أصله: " تلاوة حقا " ثم قدم الوصف و أضيف إلى المصدر، و صار
نظير: " ضربت شديد الضرب " أي: ضربا شديدا، فلما قدم وصف المصدر نصب نصبه.
الثاني: أنه حال من فاعل يتلونه، أي: يتلونه محقين.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، و قال ابن عطية: و " حق " مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، و هو
بمعنى أفعل، و لا تجوز إضافته إلى واحد معرف، و إنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى ضمير
ليس بتعرف محض، و إنما هو بمنزلة قولهم: " رجل واحد أمه، و نسيج وحده " يعني أنه في قوة أفعل
التفضيل بمعنى أحق التلاوة، و كأنه يرى أن إضافة أفعل غير محضة، و لا حاجة إلى تقدير عامل فيه، لأن
ما قبله يطلبه. ينظر: " الدر المصون " (١ / ٣٥٨).