تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ١٩٢
للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكون في الآخرة، وهو قوله تعالى: (فضرب بينهم بسور له باب...) الآية [الحديد: ١٣] وهذا القول غير قوي.
والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحد، ووصفهم بهذه الصفات، إذ أعمالهم من الخطأ وعدم الإجابة، كأعمال من هذه صفته.
و " صم ": رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير " أولئك "، أو إضمارهم.
وقوله تعالى: (فهم لا يرجعون) قيل: معناه: لا يؤمنون بوجه، وهذا إنما يصح أن لو كانت الآية في معينين، وقيل: معناه: فهم لا يرجعون ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيح (أو كصيب): " أو ": للتخيير، معناه مثلوهم بهذا أو بهذا، والصيب المطر، من:
صاب يصوب، إذا / انحط من علو إلى سفل.
و (ظلمات): بالجمع: إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جمعت، وكون الدجن مظلما هول وغم للنفوس، بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سار جميل واختلف العلماء في " الرعد "، فقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب [١] وغيرهم: هو ملك يزجر السحاب بهذا الصوت المسموع كلما خالفت سحابة، صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعق، واسم هذا الملك: الرعد [٢].
إحياء النار.. " و جعل هذا أبلغ من ذكر الجواب، و جعل جملة قوله: (ذهب الله بنورهم) مستأنفة أو
بدلا من جملة التمثيل.
و قد رد عليه أبو حيان - كما ذكر السمين عنه - بوجهين: أحدهما: أن هذا تقدير مع وجود ما يغني عنه،
فلا حاجة إليه، إذ التقديرات إنما تكون عند الضرورات. و الثاني: أنه لا تبدل الجملة الفعلية من الجملة
الاسمية.
ينظر: " الكشاف " (١ / ٧٣)، و " البحر المحيط " (١ / ٢١٣)، و " الدر المصون " (١ / ١٣٢).
[١] شهر بن حوشب الأشعري، فقيه قارىء، من رجال الحديث. شامي الأصل، سكن " العراق "، و كان
يتزيا بزي الجند، و يسمع الغناء بالآلات. وولي بيت المال مدة، و هو متروك الحديث. وكان ظريفا، قال
له رجل: إني أحبك، فقال: و لم لا تحبني و أنا أخوك في كتاب الله، و وزيرك على دين الله، و مؤنتي
على غيرك.
ينظر: " الأعلام " (٣ / ١٨٧)، " تهذيب التهذيب (٤ / ٣٦٩)، و " التاج " (١ / ٢١٤).
[٢] ذكره ابن عطية (١ / ١٠٢)، والبغوي في " تفسيره " (١ / ٥٣)، و القرطبي (١ / ١٨٧).