تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٢٨٧
وقوله تعالى: " من كان عدوا لله " الآية: وعيد وذم لمعادي جبريل، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم، وعطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وقد كان ذكر الملائكة عمهما، تشريفا لهما، قيل: خصا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما، فذكرا ليلا تقول اليهود: إنا لم نعاد الله، وجميع ملائكته، وعداوة العبد لله هي معصيته، وترك طاعته، ومعاداة أوليائه، وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه.
وقوله تعالى: (أو كلما عاهدوا عهدا...) الآية: قال سيبويه [١]: " الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام "، والنبذ: الطرح، ومنه المنبوذ، والعهد الذي نبذوه: هو ما أخذ عليهم في التوراة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم (ولما جاءهم رسول من عند الله) هو محمد صلى الله عليه وسلم و (مصدق): نعت لرسول، وكتاب الله: القرآن، وقيل: التوراة، لأن مخالفتها نبذ لها، و (وراء ظهورهم)، مثل، لأن ما يجعل ظهريا، فقد زال النظر إليه جملة، والعرب تقول: جعل هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.
و (كأنهم لا يعلمون): تشبيه بمن لا يعلم / فيجئ من اللفظ أنهم كفروا على علم.
وقوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين...) الآية: يعني اليهود، و (تتلوا): قال عطاء: معناه: تقرأ [٢]، وقال ابن عباس: (تتلوا): تتبع [٣]، و (على ملك سليمان)، أي: على عهد ملك سليمان، وقال الطبري: (اتبعوا): بمعنى: فضلوا، و (على ملك سليمان)، أي: على شرعه ونبوءته، والذي تلته الشياطين، قيل: إنهم كانوا يلقون إلى الكهنة الكلمة من الحق معها المائة من الباطل، حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سليمان، ودفنه تحت كرسيه، فلما مات، أخرجته الشياطين، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.
[١] اختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال، فقال الأخفش: إن الهمزة للاستفهام و الواو زائدة، و هذا
على رأيه في جواز زيادتها. و قال الكسائي: هي " أو " العاطفة التي بمعنى بل، و إنما حركت الواو و يؤيده
قراءة من قرأها ساكنة. و قال البصريون هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف،
و الزمخشري يقدر بين الهمزة و حرف العطف شيئا يعطف عليه ما بعده، لذلك قدره هنا: أكفروا بالآيات
البينات، و كلما عاهدوا. ينظر: " الدر المصون " (١ / ٣١٦)، و " الكتاب " (٣ / ١٨٩).
[٢] ذكره ابن عطية في " تفسيره " (١ / ١٨٥) بلفظ: " تقرأ من التلاوة " عن عطاء.
[٣] أخرجه الطبري (١ / ٤٩٢) برقم (١٦٥٨)، و قال العلامة أحمد شاكر: ووقع في المطبوعة " العبقري " وهو
تصحيف، و تصحيحه كالآتي: الحسن بن عمرو بن محمد العنقزي - ضعيف قال أبو زرعة " لا
يصدق "، و هو مترجم في " لسان الميزان "، و " ابن أبي حاتم " (١ / ٢ / ٦١ - ٦٢)، و ذكره ابن عطية في
" تفسيره " (١ / ١٨٥)، و السيوطي في " الدر " (١ / ١٨٣)، و عزاه لابن جرير.