تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٢٤٤
وجهر الرجل الأمر: كشفه، وفي " مختصر الطبري " عن ابن عباس: (جهرة): قال علانية [١]، وعن الربيع: (جهرة): عيانا [٢]. انتهى.
وقوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون): أجاب الله تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمود، أو الموت، ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة، و (لعلكم تشكرون)، أي: على هذه النعمة، والترجي إنما هو في حق البشر.
وذكر المفسرون في تظليل الغمام، أن بني إسرائيل، لما كان من أمرهم ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص [٣] التيه بين مصر والشام، فأمروا بقتال الجبارين، فعصوا، وقالوا: (اذهب أنت وربك فقاتلا) [المائدة: ٢٤] فدعا موسى عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس، فندم موسى على دعائه عليهم، فقيل له: (لا تأس على القوم الفاسقين) [المائدة: ٢٦].
أحدهما: أنها مصدر و فيها حينئذ قولان:
أحدهما: أن ناصبها محذوف، و هو من لفظها، تقديره: جهرتم جهرة، نقله أبو البقاء.
و الثاني: أنها مصدر من نوع الفعل فتنتصب انتصاب القرفصاء من قولك: " قعد القرفصاء "، " و اشتمل
الصماء "، فإنها نوع من الرؤية، و به بدأ الزمخشري.
و الثاني: أنها مصدر واقع موقع الحال، و فيها حينئذ أربعة أقوال:
أحدهما: أنه حال من فاعل " نرى " أي: ذوي جهرة، قاله الزمخشري.
و الثاني: أنها حال من فاعل " قلتم "، أي: قلتم ذلك مجاهرين، قاله أبو البقاء، و قال بعضهم: فيكون في
الكلام تقديم و تأخير، أي: قلتم جهرة لن نؤمن لك، و مثل هذا لا يقال فيه تقديم و تأخير: بل أتى
بمفعول القول ثم بالحال من فاعله، فهو نظير: " ضربت هندا قائما ".
و الثالث: أنها حال من اسم الله تعالى، أي: نراه ظاهرا غير مستور.
و الرابع: أنها حال من فاعل " نؤمن " نقله ابن عطية، و لا معنى له، و الصحيح من هذه الأقوال الستة
الثاني.
ينظر: " الدر المصون " (١ / ٢٢٩).
[١] أخرجه الطبري (١ / ٣٣٨) برقم (٩٤٨)، و ذكره السيوطي في " الدر " (١ / ١٣٦)، و عزاه لابن جرير،
و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم.
[٢] أخرجه الطبري (١ / ٣٣٩) برقم (٩٤٩).
[٣] الفحص: ما استوى من الأرض. و في حديث كعب: " إن الله بارك في الشأم، و خص بالتقديس من
فحص الأردن إلى رفح " والفحص - هنا - ما بسط من نهر الأردن، و كشف من نواحيه. ينظر: " لسان
العرب " (٣٣٥٦).