تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ١٨٣
و (لا ريب فيه): معناه: لا شك فيه، و (هدى): معناه إرشاد وبيان، وقوله:
(للمتقين): اللفظ مأخوذ من " وقى "، والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذابه.
قوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون).
(يؤمنون): معناه يصدقون، وقوله: (بالغيب) قالت طائفة: معناه: يصدقون، إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا، ويكفرون إذا غابوا، وقال آخرون: معناه:
يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع، وقوله: (يقيمون الصلاة) معناه:
يظهرونها ويثبتونها، كما يقال: أقيمت السوق.
* ت *: وقال أبو عبد الله النحوي في اختصاره لتفسير الطبري: إقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها. انتهى.
قال * ص [١] * يقيمون الصلاة من التقويم، ومنه: أقمت العود، أو الإدامة، ومنه: قامت السوق، أو التشمير والنهوض، ومنه: قام بالأمر. انتهى.
وقوله تعالى /: (ومما رزقناهم ينفقون): الرزق [٢] عند أهل السنة ما صح الانتفاع
[١] " المجيد " ص ٨٤.
[٢] اختلف العلماء في تعريف الرزق في عرف الشرع، فقال أبو الحسين البصري من المعتزلة: الرزق هو
تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء و الحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا: قد رزقنا الله
تعالى الأموال. فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، و إذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالا فإنا نقصد بذلك أن
يجعلنا بالمال أخص.
و اعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا.
و قال الأشاعرة: الحرام قد يكون رزقا، و حجتهم من وجهين:
الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ و النصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام، فذلك الحرام صار
حظا ونصيبا، فوجب أن يكون رزقا له.
الثاني: أنه تعالى قال: (و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) [هود: ٦] و قد يعيش الرجل طول
عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا.
و قد احتج المعتزلة بالكتاب، و السنة، و المعنى:
أما الكتاب فعدة وجوه:
أحدها: قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) [البقرة: ٣] مدحهم الله تعالى على الإنفاق مما رزقهم،
فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وهذا باطل بالاتفاق.
ثانيها: قالوا: لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله سبحانه: (و أنفقوا من ما رزقناكم)
[المنافقون: ١٠]، و قد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه، بل يجب عليه