تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٩٤
وهذا الكتاب لا يتعرض لسور القرآن كلها، ولكنه يتعرض لما فيها من آيات الأحكام فقط، وطريقته في ذلك أن يذكر السورة، ثم يذكر عدد ما فيها من آيات الاحكام، ثم يأخذ في شرحها آية آية.. قائلا: الآية الأولى وفيها خمس مسائل " مثلا "، والآية الثانية وفيها سبع مسائل " مثلا " وهكذا، حتى يفرغ من آيات الاحكام الموجودة في السورة.
وهذا الكتاب يعتبر مرجعا مهما للتفسير الفقهي عند المالكية، وذلك لان مؤلفه مالكي تأثر بمذهبه، فظهرت عليه في تفسيره روح التعصب له، والدفاع عنه، غير أنه لم يشتط في تعصبه إلى الدرجة الذي يتغاضى فيها عن كل زلة علمية تصدر من مجتهد مالكي، ولم يبلغ به التعسف إلى الحد الذي يجعله يفند كلام مخالفه إذا كان وجيها ومقبولا، والذي يتصفح هذا التفسير يلمس منه روح الإنصاف لمخالفيه أحيانا، كما يلمس منه روح التعصب المذهبي التي تستولي على صاحبها، فتجعله أحيانا كثيرة يرمي مخالفه، وإن كان إماما له قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة، تارة بالتصريح، وتارة بالتلويح. ويظهر لنا أن الرجل كان يستعمل عقله الحر، مع تسلط روح التعصب عليه، فأحيانا يتغلب العقل على التعصب، فيصدر حكمه عادلا لا تكدره شائبة التعصب، وأحيانا - وهو الغالب - تتغلب العصبية المذهبية على العقل، فيصدر حكمه مشوبا بالتعسف، بعيدا عن الإنصاف.
وهذا الكتاب أيضا لم ينص المصنف على أنه اعتمد عليه - في مقدمته، بل ذكر النقل عنه في ثنايا التفسير.
ثانيا: كتب غريب [١] القرآن والحديث:
وقد اعتمد الثعالبي على كتابين في غريب ألفاظ الكتاب العزيز: أولهما: لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، والثاني: وهو مختصر غريب القرآن للحافظ زين الدين العراقي.
[١] قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي الغريب من الكلام انما هو الغامض البعيد من الفهم كما
أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل و الغريب من الكلام يقال به على
وجهين. أحدهما أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد، و معاناة فكره و الوجه
الأخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم
استغربناها انتهى.
و قال ابن الأثير في " النهاية ": و قد عرفت أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كان أفصح العرب لسانا، حتى قال له علي
رضي الله تعالى عنه و قد سمعه يخاطب و قد بني نهد: يا رسول الله نحن بنو أب واحد، و نراك تكلم وفود
العرب بما لا تفهم أكثره، فقال: " أدبني ربي فأحسن تأديبي " فكان عليه الصلاة و السلام يخاطب العرب
على اختلاف شعوبهم و قبائلهم بما يفهمونه، فكأن الله تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره، و كان