تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٣٩٨
وروى البخاري ومسلم في " صحيحهما "، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، إنما يدع شهوته وطعامه من أجلي " [١]. انتهى.
وقوله تعالى: (و لا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) قالت فرقة: المعنى: ولا تجامعوهن، وقال الجمهور: ذلك يقع على الجماع، فما دونه مما يتلذذ به من النساء، و (عاكفون)، أي: ملازمون، قال مالك - رحمه الله - وجماعة معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات [٢]، وروي عن مالك أيضا، أن ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة، كما يخرج إلى ضروري أشغاله، قال ابن العربي في " أحكامه " [٣]: وحرم الله سبحانه المباشرة في المسجد، وكذلك تحرم خارج المسجد، لأن معنى الآية، ولا تباشروهن وأنتم ملتزمون للاعتكاف في المساجد معتقدون له. انتهى. و (تلك) إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي.
والحدود: الحواجز بين الإباحة والحظر، ومنه قيل للبواب حداد، لأنه يمنع، ومنه الحاد، لأنها تمنع من الزينة، والآيات: العلامات الهادية إلى الحق.
وقوله تعالى: (و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل...) الآية: الخطاب لأمة / نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويدخل في هذه الآية القمار، والخدع، والغصوب، وجحد الحقوق، وغير ذلك.
وقوله سبحانه: (و تدلوا بها إلى الحكام...) الآية: يقال: أدلى الرجل بحجة، أو
[١] تقدم تخريجه.
[٢] لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد، لقوله تعالى: (و لا تباشروهن و أنتم عاكفون في المساجد) و وجه
الدلالة من الآية: أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف
للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها، فدل على أنه لا
يجوز إلا في المسجد، و الأفضل أن يعتكف في المسجد الجامع، لأن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم اعتكف في
المسجد الجامع، و لأن الجماعة في صلواته أكثر، و لأنه يخرج من الخلاف، فإن الزهري قال: لا يجوز
في غيره. و إن نذر أن يعتكف في مسجد غير الثلاثة، و هي المسجد الحرام، و المسجد الأقصى،
و مسجد المدينة، جاز أن يعتكف في غيره، لأنه لا مزية لبعضها على بعض، فلم تتعين و يصح الاعتكاف
في كل مسجد، والجامع أفضل، و أومأ الشافعي في القديم إلى اشتراط الجامع، و الصواب جوازه في كل
مسجد، و يصح في رحبته، و سطحه بلا خلاف، لأنهما منه.
ينظر: " الاعتكاف " لشيخنا أحمد خليفة جبر.
[٣] ينظر: " أحكام القرآن " (١ / ٩٦).