تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٣٢٨
لم يكن، و (ينقلب على عقبيه) عبارة عن المرتد، و الرجوع على العقب أسوأ حالات الراجع.
وقوله تعالى: (و إن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله...) الآية: الضمير في " كانت " راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حسبما تقدم من القبلة، كان من قول اليهود: يا محمد، إن كانت الأولى حقا، فأنت الآن على باطل، و إن كانت هذه حقا، فكنت في الأولى على ضلال، فوجمت نفوس بعض المؤمنين، وأشفقوا على من مات قبل التحويل من صلاتهم السالفة، فنزلت: (و ما كان الله ليضيع إيمانكم)، أي: صلاتكم، قاله ابن عباس و غيره، وسمى الصلاة إيمانا لما كانت صادرة عن الإيمان، و لأن الإيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إذ هو الأصل، و لئلا يندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، فذكره المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضا سميت إيمانا، إذ هي من شعب الإيمان.
* ت *: وفي العتيبة من سماع ابن القاسم، قال مالك: قال الله تبارك و تعالى:
(و ما كان الله ليضيع إيمانكم) قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس، قال ابن رشد، و على هذا القول أكثر أهل التفسير، و قد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان الله ليضيع إيمانكم بفرض الصلاة عليكم إلى بيت المقدس. انتهى من " البيان ".
والرأفة: أعلى منازل الرحمة.
(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره و إن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم و ما الله بغافل عما يعملون [١٤٤] و لئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع
[١] أخرجه الطبري (٢ / ٢٠) برقم (٢٢٣٢)،، و ذكره ابن عطية (١ / ٢٢١).
[٢] ابن القاسم هو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء، المعروف بابن
القاسم، ولد ب " مصر " سنة ١٢٨ ه، و قيل: سنة ١٣٢ ه. و قيل غير ذلك، سافر إلى " المدينة "
فصحب الإمام مالكا، وتفقه عليه، وروى عنه وعن الليث بن سعد، و عبد العزيز بن الماجشون،
و غيرهم، و روى عنه أصبغ، و سحنون، و عيسى بن دينار، و غيرهم.
و من مؤلفاته: " كتاب المدونة "، و هي التي أخذها عنه سحنون، و هي من أجل كتب الفقه المالكي، و توفي
ب " مصر " سنة ١٩١ ه.
ينظر: " الديباج المذهب " (١ / ٤٦٥)، " شذرات الذهب " (١ / ٣٢٩)، " وفيات الأعيان " (٣ / ٣٦٢).