تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٢٧٧
والربيع، وقتادة: (روح القدس): جبريل - عليه السلام [١] -، وهذا أصح الأقوال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: " أهج قريشا، وروح القدس معك " [٢] ومرة قال له: " و جبريل معك "، و (كلما): ظرف، والعامل فيه: (استكبرتم)، وظاهر الكلام الاستفهام، ومعناه التوبيخ، روي أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سوقهم آخر النهار، وروي سبعين نبيا، ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار.
والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق، وهو في هذه الآية من ذلك، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، ومعنى: (قلوبنا غلف)، أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قاله ابن عباس. ثم بين تعالى سبب نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بذنب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد.
و (قليلا): نعت لمصدر محذوف، تقديره: فإيمانا قليلا ما يؤمنون، والضمير في " يؤمنون " لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم منهم، وما في قوله: (ما يؤمنون) زائدة مؤكدة [٣].
[١] أخرجه الطبري (١ / ٤٤٨) بأرقام (١٤٨٨ - ١٤٨٩ - ١٤٩٠ - ١٤٩١) عن قتادة، و السدي، و الضحاك،
و الربيع.
[٢] أخرجه البخاري (٦ / ٣٥١) كتاب " بدء الخلق "، باب ذكر الملائكة، حديث (٣٢١٣)، (٧ / ٤٨٠) كتاب
" المغازي "، باب مرجع النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الأحزاب، حديث (٤١٢٣، ٤١٢٤)، (١٠ / ٥٦٢) كتاب
" الأدب "، باب هجاء المشركين، حديث (٦١٥٣)، و مسلم (٤ / ١٩٣٣) كتاب " فضائل الصحابة "، باب
فضائل حسان بن ثابت، حديث (١٥٣ / ٢٤٨٦)، و أحمد (٤ / ٢٩٩، ٣٠٢)، و ابن حبان (٧١٤٦)،
و الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (٤ / ٢٩٨)، و البيهقي (١٠ / ٢٣٧)، و الطبراني في " الكبير " (٣٥٨٨،
٣٥٨٩، ٣٥٩٠) كلهم من طريق عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به.
[٣] قال السمين الحلبي: في نصب " قليلا " ستة أوجه:
أحدها وهو الأظهر: أنه نعت لمصدر محذوف أي: فإيمانا قليلا يؤمنون.
الثاني: أنه حال من ضمير ذلك المصدر المحذوف أي: فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلته، و قد تقدم أنه
مذهب سيبويه و تقدم تقريره.
الثالث: أنه صفة لزمان محذوف، أي: فزمانا قليلا يؤمنون، و هو كقوله: (آمنوا بالذي أنزل على الذين
آمنوا وجه النهار و اكفروا آخره).
الرابع: أنه على إسقاط الخافظ و الأصل: فبقليل يؤمنون، فلما حذف حرف الجر انتصب، و يعزى لأبي
عبيدة.
الخامس: أن يكون حالا من فاعل " يؤمنون "، أي فجمعا قليلا يؤمنون أي المؤمن فيهم قليل، قال معناه
ابن عباس و قتادة. إلا أن المهدوي قال: " ذهب قتادة إلى أن المعنى: فقليل منهم من يؤمن "، و أنكره
النحويون، و قالوا: لو كان كذلك للزم رفع " قليل ". قلت: لا يلزم الرفع مع القول بالمعنى الذي ذهب
إليه قتادة لما تقدم من أن نصبه على الحال واف بهذا المعنى. و " ما " على هذه الأقوال كلها مزيدة
للتأكيد.