تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٢١٠
وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف، إنما هو على جهة التقرير والتوقيف.
وقوله تعالى: (هؤلاء) ظاهره حضور أشخاص، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدل أن الاسم هو المسمى، كما ذهب إليه مكي والمهدوي.
والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصا، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها آدم، ثم إن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا.
(وهؤلاء): مبني على الكسر، (وكنتم) في موضع الجزم بالشرط، والجواب عن سيبويه: فيما قبله، وعند المبرد: محذوف، تقديره: إن كنتم صادقين، فأنبئوني، وقال ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: معنى الآية: إن كنتم صادقين في أن الخليفة يفسد ويسفك [١].
* ت *: و في النفس من هذا القول شئ، والملائكة منزهون معصومون، كما تقدم، والصواب ما تقدم من التفسير عند قوله تعالى: (أتجعل فيها...) الآية.
السماء. و هذه المرتبة الوسطى من مراتب ما لا يطاق، و التكليف بهذا جائز عندنا و إن لم يقع، كما دل
عليه الاستقراء، و قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦] و ما يتوهم من ظاهر
بعض الآيات أنه تكليف بهذا المحال، كقوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله) [البقرة: ٢٣] فهو للتعجيز
لا للتكليف، و منعت المعتزلة جواز التكليف، لكونه قبيحا منه تعالى عقلا عندهم كما في الشاهد، فإن
من كلف الأعمى نقط المصاحف و الزمني المشي إلى أقصى البلاد، عد سفيها، و قبح ذلك في بداهة
العقول. والجواب: أنه لا يقبح منه تعالى شئ، و لا يجب عليه، إذ يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد،
و المفهوم من كلام صاحب " التوضيح " أن مذهب الماتريدية هنا كمذهب المعتزلة إلا أن عدم جوازه عند
الماتريدية بناء على أنه لا يليق من حكمته و فضله. و عند المعتزلة بناء على أن الأصلح واجب على الله
(تعالى).
الثالثة: ما يمكن في نفسه و لكن يمتنع لنفس مفهومه، كجمع الضدين، و قلب الحقائق. و هي المرتبة
القصوى من مراتب ما لا يطاق، والتكليف به لا يقع و لا يجوز بالاتفاق، أما أنه لا يقع قط، فلأنه لم
يوجد بالاستقراء، و أما أنه لا يجوز، فلأن جواز التكليف فرع تصوره، و لا يمكن تصوره. و في شرح
" المواقف " أن بعضا منا قالوا بوقوع تصوره، فما ذكره صاحب " المواقف " من أن جواز التكليف بالممتنع
لذاته فرع تصوره يشعر بأن هؤلاء يجوزونه.
ينظر: " نشر الطوالع " (٢٩٥ - ٢٩٧)، و " البرهان " (١ / ١٠٢)، و " المنخول " (ص ٢٢)،
و " المحصول " (١ / ٢ / ٣٥٧)، و المتصفي " (١ / ٧٤).
[١] أخرجه الطبري (١ / ٢٥٥) برقم (٦٧٢)، و ذكره السيوطي في " الدر " (١ / ١٠١).