تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ٢٠٤
في نفسه، و (استوى): قال قوم: معناه: علا دون كيف، ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كيسان: معناه: قصد إلى السماء.
* ع [١] *: أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.
و (سواهن): قيل: جعلهن سواء، وقيل: سوى سطوحهن بالإملاس، وقال الثعلبي [٢]: (فسواهن)، أي: خلقهن. انتهى. وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة " المؤمن "، وفي " النازعات ".
(و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون [٣٠] و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين [٣١] قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم [٣٢])
وقوله تعالى: (و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة): " إذ " ليست بزائدة عند الجمهور، وإنما هي معلقة بفعل مقدر، تقديره: واذكر إذ قال، وإضافة " رب " إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومخاطبته بالكاف - تشريف منه سبحانه لنبيه، وإظهار لاختصاصه به، و " الملائكة ": واحدها ملك، والهاء في " ملائكة " لتأنيث الجموع غير حقيقي، وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسابة، والأول أبين.
و (جاعل)، في هذه الآية بمعنى خالق، وقال الحسن وقتادة: جاعل بمعنى فاعل [٣]، وقال ابن سابط [٤] عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الأرض هنا هي مكة، لأن الأرض دحيت
[١] ينظر: " المحرر الوجيز " (١ / ١١٥).
[٢] هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي. كان إماما كبيرا، حافظا للغة بارعا في
العربية، روى عن أبي طاهر بن خزيمة، و أبي محمد المخلدي. أخذ عنه الواحدي. له: " العرائس في
قصص الأنبياء " و كتاب " ربيع المذكرين ". توفي (٤٢٧ ه).
ينظر ترجمته في: " بغية الوعاة " (١ / ٣٥٦)، و " النجوم الزاهرة " (٤ / ٢٨٣)، و " طبقات المفسرين "
للداوودي (١ / ٦٦).
[٣] أخرجه الطبري (١ / ٢٣٥) برقم (٥٩٧)، و ذكره السيوطي في " الدر " (١ / ٩٣)، عن الحسن، و عزاه لابن
جرير.
[٤] عبد الرحمن بن سابط القرشي، الجمحي، المكي، عن عمر، و معاذ مرسلا، و عن عائشة بواسطة، في