تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القران) - الثعالبي، أبو زيد - الصفحة ١٩٧
ند له، وقال ابن فورك [١]: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.
قوله تعالى: (و إن كنتم في ريب)، أي: في شك، (فأتوا بسورة من مثله):
الضمير في " مثله " عند الجمهور: عائد على القرآن [٢]، (و ادعوا شهدائكم)، أي: من شهدكم وحضركم من عون ونصير، قاله ابن عباس [٣]: (إن كنتم صادقين)، أي: فيما قلتم من أنكم تقدرون على معارضته. ويؤيد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / (لو نشاء لقلنا مثل هذا) [الأنفال: ٣١]، وفي قوله جل وعلا: (و لن تفعلوا) إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضا من الغيوب التي أخبر بها القرآن.
وقوله تعالى: (فاتقوا النار): أمر بالإيمان وطاعة الله، قال الفخر [٤] ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبي صلى الله عليه وسلم وإذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم قوله: (فاتقوا النار) مقام قوله: " واتركوا العناد "، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها، نجانا الله منها برحمته الواسعة.
وقرن الله سبحانه الناس بالحجارة، لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناما يعبدونها، قال تعالى: (إنهم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) [الأنبياء: ٩٨] فإحدى الآيتين مفسرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.
[١] ينظر: " المحرر الوجيز " (١ / ١٠٦). وابن فورك هو: محمد بن الحسين بن فورك، أبو بكر
الأصفهاني، المتكلم، الأصولي، الأديب، النحوي، الواعظ، أخذ طريقة أبي الحسن الأشعري، عن
أبي الحسين الباهلي و غيره، أحيى الله تعالى به أنواعا من العلوم، و بلغت مصنفاته الشئ الكثير،
و جرت له مناظرات عظيمة. مات سنة (٤٠٦). انظر: " طبقات ابن قاضي شهبة " (١ / ١٩٠)، " طبقات
السبكي " (٣ / ٥٢)، " تبيين كذب المفتري " ص (٢٣٢). " الأعلام " (٦ / ٣١٣)، " مرآة الجنان " (٣ / ١٧)،
" النجوم الزاهرة " (٤ / ٢٤٠).
[٢] و قال قوم آخرون: إن معنى قوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله): من مثل محمد من البشر، لأن محمدا
بشر مثلكم، يعني لأنه لم يكن قرأ الكتب و لا درس، فأتوا بسورة فيها حق من مثل محمد، كما جاء
بذلك صلى الله عليه و آله و سلم.
ينظر: " تفسير الطبري " (١ / ٣٧٤)، و " بحر العلوم " للسمرقندي (١ / ١٠٢).
[٣] أخرجه الطبري (١ / ٢٠٢) برقم (٤٩٦)، و ذكره ابن عطية (١ / ١٠٧)، و السيوطي في " الدر " (١ / ٧٧)،
و عزاه لابن جرير، و ابن إسحاق، و ابن أبي حاتم.
[٤] ينظر: " مفاتيح الغيب " (٢ / ١١٢).