منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٤ - المعنى
ثمّ إنّه ٧ كانّما ينظر بنا و يحكى عن زماننا حيث أصبحنا و الحقّ مهتضم و الدين مخترم، و كاد معالم الدين يؤذن بالمحو و الطمس، و لا يتكلّم فيه إلّا بالرمز و الهمس. و احاطت الظلمات بعضها فوق بعض و ما يرى سبيل الخروج، و كيف لا و أزمّة الامور بأيدي ذوات الفروج، و حماة الدّين بعضهم معتكف فى قعر السجون و بعضهم يفيض منه ماء الشجون، و اشباح الرّجال فى زىّ الرّجال، و النفوس الكرام فى صف النّعال، و النّاس عن الطريق القويم و الصّراط المستقيم لناكبون و فى إعلاء راية العدل لناكسون كانما على رؤوسهم الطير، و فى إحياء كلمة الحقّ لناكثون كأنّما جبلوا على اماتة الخير، و لعمرى لو لا انّهم قلقوا الوضين لما جعل كتاب اللّه عضين، و لو كانوا يقاتلون فى سبيل اللّه صفا كانّهم بنيان مرصوص، لما تسلّط عليهم اللّصوص، و لو قتلوا فى سبيل اللّه فالفوز بالشهادة، و لو سجنوا فالشغل بالعبادة، و لو نفوا فالنيل بالسياحة.
و نعم ما قال المتنبى:
|
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى |
حتّى يراق على جوانبه الدم |
|
و يا سوء ما فعلوا فجعلوا القرآن عدل ما نسجت بالبطلان، و حسبوا و حى الرّحمن عكم ما اختلقه الشيطان. و ارتكبوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن فأين الفلاح و هو أبعد من بيض الأنوق، و رجعوا إلى الجاهليّة الاولى بالجدّ و لعلن فأين النجاح و هو أبعد من مناط العيّوق، و كم غدرة واضحة في الدّين و كم، و فظّت الاخلاق و الرسوم و الشيم، كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فاتخذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم سخريا و بدين اللّه يلعبون و يستهزؤن، اللّه يستهزىء بهم و يمدّهم في طغيانهم يعمهون، فإذا رأيت أن الزّمان دار بنا و الحال كما ترى تذكرت ما أجاد أبو العلاء و تمنى.
|
إذا عيّر الطائىّ بالبخل مادر |
و قرّع قسّا بالفهاهة باقل |
|
|
و قال السّها للشّمس أنت خفيّة |
و قال الدّجى يا صبح لونك خامل |
|
|
و فاخرت الارض السّماء سفاهة |
و كاثرت الشهب الحصا و الجنادل |
|