منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧٥ - المعنى
إلى انّ العقل يقسم الحسن عنده إلى ما ينتهى إلى الرجحان فى جانب العقل إلى أن ينتهى إلى المنع من الترك فقالوا بوجوب التكليف و جميع فروعه على اللّه تعالى و اوجبوا على العاقل شكر المنعم و النظر فى الامور العقلية و قالوا إنّه مكلّف بهما و إن لم يرد الشرع بذلك و لهذا سموهم العدليّة.
و أمّا الاشعرى فلما لم يقل بثبوتهما عقلا لم يثبت شيئا من ذلك عنده بل قالوا إن اللّه تعالى اخبر في الشرع بجميع ذلك فكل قبيح و حسن انما يعلم باعلامه و لولاه لما كان للعقل علم بشيء منهما فلا يقبح من اللّه شيء و لا يجب عليه شيء و كل ما سواه صادر عنه بناء على ما اصلوه و هذا تحقيق أصل مذهب الفريقين في باب الافعال و لكل من الفريقين دلائل مذكورة في مواضعها.
و قال العلامة الحلى قدس سرّه فى شرحه على تجريد الاعتقاد: و قد شنّع أبو الحسين على الاشاعرة باشياء رديّة و ما شنّع به فهو حقّ إذ لا تتمشى قواعد الاسلام بارتكاب ما ذهب إليه الاشعرية من تجويز القبائح عليه تعالى و تجويز اخلاله بالواجب و ما ادرى كيف يمكنهم الجمع بين المذهبين و اعلم انّه لا يشك عاقل إن الصدق المشتمل على النفع حسن في نفسه و الكذب المشتمل على الضرر قبيح في نفسه سواء لا حظ الشرع أو لا فان العاقل متى عرض ذلك على نفسه و فرض نفسه خاليا عن الشرع جزم به من غير أن يخالجه شكّ فيه و لا يعبأ بمن انكر الضرورة إذ هو مكابر بمقتضى عقله فلا يلتفت إليه و لهذا إن العاقل متى خير بين الصدق و الكذب عند اختيار ما استوت منفعته و مضرّته باعتبار وقوع أيّهما منه يميل إلى الصدق و يختاره و ما ذلك إلّا لعلمه بما فيه من الحسن الذاتي و بما في الكذب من القبح الذاتى و إنّما يتغيران بعوارض تعوق العقل عن اتباعهما لا عن العلم بهما فقد يختار الكذب و يترك الصدق إمّا لاشتمال الأوّل على مصلحة او منفعة عاجلة و اشتمال الثاني علي مضرة عاجلة او حصول منفعة فيميل بحسب الطبيعة إلى مخالفة العقل طلبا لتلك الفائدة و ترجيحا لها لا لتغير في الصدق و الكذب عن الحسن و القبح الذاتيين لهما و ذلك بيّن تشهد به العقول السليمة عن آفة الالفة و المحبّة و التقليد.