منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٨٢ - المعنى
فاذا علمت فى هذه المقدمة أن الاحكام الخمسة مبتنية على المصالح و المفاسد الكائنة فى الأشياء و أفعال العباد و حرّم هذه لمفسدة و ضرر و أحلّ ذلك لمصلحة و نفع و ما حرّم فهو قبيح في نفس الأمر و أن ارتكاب القبائح و المعاصي يبعد الانسان عن اللّه تعالى و يوجب الحرمان و عن كماله اللائق له و كذا الاخلال بالواجب و لا ريب ان إزالة المضار واجبة في العقول لان الذنوب سموم مهلكة فيجب عليه عقلا و شرعا أن يتوب إلى اللّه أي يندم على ترك الواجب و في القبيح في الماضي لقبحه و أن يعزم على ترك المعاودة إليه فالتوبة واجبة لدفعها الضرر و لوجوب الندم على كلّ قبيح لقبحه او اخلال بالواجب و على هذا التحقيق يستفاد فورية وجوب التوبة أيضا كما لا يخفى.
و إنّما قلنا و لوجوب الندم على كلّ قبيح ليشمل الدليل الصغائر لو اعترض معترض أن قولنا لدفعها الضرر لا يشمل الصغائر.
و قال العلامة الشّيخ البهائي قدس سره كما في رياض السالكين لا ريب في وجوب التوبة على الفور فان الذنوب بمنزلة السموم المضرّة بالبدن و كما يجب على شارب السمّ المبادرة إلى الاستفراغ تلافيا لبدنه المشرف على الهلاك كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى تركها و التوبة منها تلافيا لدينه المشرف على الاضمحلال قال و لا خلاف في أصل وجوبها سمعا للامر الصريح بها في القرآن و الوعيد و الحتم على تركها فيه قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً و قال وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ و انما الخلاف في وجوبها عقلا فأثبته المعتزلة لدفعها ضرر العقاب.
و هذا كما لا يخفى لا يدلّ على وجوب التوبة عن الصغائر ممن يجتنب الكبائر لانها تكفره حينئذ و لذا ذهب البهشمية إلى وجوبها عن الصغائر سمعا لا عقلا نعم الاستدلال بأن الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعم القسمين.
و أمّا فورية الوجوب فقد صرّح به المعتزلة و قالوا يلزم بتأخيرها ساعة اثم آخر تجب التوبة منه أيضا حتى أن من أخّر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد