نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٦٤ - زيارة ثانية إلى القدس ، ثم زيارة إلى دمشق
الذي هو عام تسعة وثلاثين وألف مكة خمس مرات ، حصلت لي بالمجاورة فيها المسرّات ، وأمليت فيها على قصد التبرّك دروسا عديدة ، والله يجعل أيام العمر بالعود إليها مديدة ، ووفدت على طيبة المعظّمة ميمّما مناهجها السديدة ، سبع مرار ، وأطفأت بالعود إليها ما بالأكباد الحرار ، واستضأت بتلك الأنوار ، وألّفت بحضرته ٦ بعض ما منّ الله به عليّ في ذلك الجوار ، وأمليت الحديث النبويّ بمرأى منه عليه الصلاة والسلام ومسمع ، ونلت بذلك وغيره ـ ولله المنّة ـ ما لم يكن لي فيه مطمح ولا مطمع ، ثم أبت إلى مصر مفوّضا لله جميع الأمور ، ملازما خدمة العلم الشريف بالأزهر المعمور ، وكان عودي من الحجة الخامسة بصفر سنة سبع وثلاثين وألف للهجرة ، فتحرّكت همّتي أوائل رجب هذه السنة للعود للبيت المقدّس ، وتجديد العهد بالمحلّ الذي هو على التقوى مؤسّس ، فوصلت أواسط رجب ، وأقمت فيه نحو خمسة وعشرين يوما بدا لي فيها بفضل الله وجه الرشد وما احتجب. وألقيت عدة دروس بالأقصى والصخرة المنيفة ، وزرت مقام الخليل ومن معه من الأنبياء ذوي المقامات الشريفة ، وكنت حقيقا بأن أنشد قول ابن مطروح [١] ، في ذلك المقام الذي فضله معروف وأمره مشروح : [الوافر]
| خليل الله ، قد جئناك نرجو | شفاعتك التي ليست تردّ | |
| أنلنا دعوة واشفع تشفّع | إلى من لا يخيب لديه قصد | |
| وقل يا ربّ أضياف ووفد | لهم بمحمّد صلة وعهد | |
| أتوا يستغفرونك من ذنوب | عظام لا تعدّ ولا تحدّ | |
| إذا وزنت بيذبل أو شمام | رجحن ودونها رضوى وأحد [٢] | |
| ولكن لا يضيق العفو عنهم | وكيف يضيق وهو لهم معدّ | |
| وقد سألوا رضاك على لساني | إلهي ما أجيب وما أردّ | |
| فيا مولاهم عطفا عليهم | فهم جمع أتوك وأنت فرد |
ثم استوعبت أكثر تلك المزارات المباركة كمزار موسى الكليم ، على نبيّنا وعليهم وعلى سائر المرسلين والأنبياء أجمعين أفضل الصلاة والتسليم ، ثم حدث لي منتصف شعبان ، عزم على الرحلة إلى المدينة التي ظهر فضلها وبان ، دمشق الشام ذات الحسن والبهاء والحياء
[١] هو جمال الدين يحيى بن عيسى المتوفى سنة ٦٤٩ ه. شاعر مصري (وفيات الأعيان ٥ / ٣٠٢).
[٢] يذبل ، وشمام ، ورضوى ، وأحد : أسماء جبال.